مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٨١ - الأمر الأوّل ظواهر الكتاب
أ مّا الرواية الاولى: فظاهرة في أنّ اعتراض الإمام عليه السلام على أبي حنيفة إنّما هو لأجل ادّعائه معرفة القرآن حقّ معرفته، وتشخيص الناسخ من المنسوخ وغيره ممّا يتعلّق بالقرآن، وليس معنى قوله عليه السلام: «وما ورّثك اللَّه من كتابه حرفاً» أ نّه لاتفهم شيئاً من القرآن، ولا تعرف مثلًا معنى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ» [١]؛ ضرورة أ نّه لو كان المراد ذلك، لكان لأبي حنيفة- مضافاً إلى وضوح بطلانه- الاعتراض على الإمام عليه السلام، وأن لا يخضع لدى هذا الكلام، مع أنّ الظاهر من الرواية خضوعه لديه وتسليمه دونه.
فالمراد منه: أ نّ اللَّه- تعالى- قد خصّ أوصياء نبيّه صلى الله عليه و آله بإرث الكتاب، وعلم القرآن بجميع خصوصيّاته، وليس لمثل أبي حنيفة حظّ من ذلك، ولو بالإضافة إلى حرف واحد، فهذا القول مرجعه إلى قوله- تعالى-: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتبَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا» [٢].
فالرواية أجنبيّة عمّا نحن فيه من البحث والنزاع.
وأمّا الرواية الثانية: فالتوبيخ فيها إنّما هو على تصدّي قتادة لتفسير القرآن، وقد عرفت أنّ الأخذ بظاهر القرآن لا يعدّ تفسيراً أصلًا، ولا تشمله هذه الكلمة بوجه، وعلى تقديره فمن الواضح أ نّ قتادة إنّما كان يفسّر القرآن بالرأي أو الآراء غير المعتبرة، والتوبيخ إنّما هو على مثل ذلك.
وقد مرّ [٣] أنّ حمل اللفظ على ظاهره لايكون من مصاديق التفسير بالرأي قطعاً، وعلى فرض احتماله لابدّ للمستدلّ من الإثبات وإقامة الدليل على الشمول، ويكفي في إبطاله مجرّد احتمال العدم، وقد شاع وثبت أ نّه إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
[١] سورة البقرة ٢: ٢٠.
[٢] سورة فاطر ٣٥: ٣٢.
[٣] في ص ١٧٧- ١٧٨.