مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٣ - شبهة العجز عن المعارضة بسبب الخوف والتطبّع على القرآن
علىعجزهم عنالإتيان بما يماثل القرآن في تلك البرهة، ما أشرنا إليه من اختيارهم المبارزة بالسنان، والمقابلة بالسيوف على المعارضة بالبيان، والمقابلة بالحروف، مع أنّه ليس من شأن العاقل- مع القدرة والاستطاعة- على إسقاط دعوى المدّعي والتحفّظ على عقيدته ومرامه، وصون جاهه ومقامه، من طريق البيان، وتلفيق الحروف، وتأليف الكلمات أن يدخل من باب المحاربة، ويعدّ نفسه للمنازعة المستلزمة للخطر والمهلكة، وصرف أموال كثيرة، وتحمّل مشاقّ غير عديدة.
وإذن فالدليل الظاهر على عجزهم في تلك المدّة وقوع الغزوات الكثيرة بينهم، وبين المسلمين!.
وأمّا بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه و آله وزمن الخلفاء، وسيطرة المسلمين، فقد كان أهل الكتاب يعيشون بين المسلمين في جزيرة العرب وغيرها، وكانوا لا يخافون من إظهار مرامهم، وإنكارهم لدين الإسلام، وعدم اعتقادهم به، فكيف يحتمل خوفهم من الإتيان بما يعارض القرآن ويماثله، لو كانوا قادرين على ذلك؟ وأمّا ما ذكره المتوهّم أخيراً من أنّه بعد انقراض عهد الخلفاء الأربعة، ووصول النوبة إلى الأمويّين صار القرآن مأنوساً لجميع أذهان المسلمين، بحيث لميبق مجال لمعارضته بعد رسوخه وتكرّره.
فالجواب عنه: أنّ مقتضى الطباع البشريّة أن يكون التكرار للكلام- وإن بلغ ما بلغ من البلاغة وارتفع مقامه من الفصاحة- موجباً لنزوله وهبوطه عن ذلك المقام المرتفع، بحيث ربما يبلغ إلى حدّ التنفّر والاشمئزاز، هذا لا يختصّ بالكلام، بل يجري في جميع ما يوجب ا لتذاذ الإنسان من المحسوسات؛ فإنّ اللّذة الحاصلة منها في الإدراك الأوّل لا ينبغي أن تقاس مع ما يحصل منها في الثاني والثالث وهكذا، بل تنقص في كلّ مرّة إلى حدٍّ تبلغ العدم، بل تتبدّل إلى الضدّ.
وأمّا القرآن، فلو لم يكن معجزاً صادراً من مبدإ الوحي ومعدن العلم،