مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٦٣ - التحدّي بالبلاغة
مرّ [١] البحث في ذلك في توصيف القرآن بخلود الإعجاز.
ثمّ إنّ ها هنا إشكالًا؛ وهو: أنّ البلاغة لا يمكن أن تكون من وجوه الإعجاز، ولا ينطبق عليها المعجز بما اعتبر في معناه الاصطلاحي المتقدّم في أوائل البحث؛ لأنّه كما عرفت يتقوّم بكونه خارقاً للعادة، فائقاً على ناموس الطبيعة، والبلاغة ليس فيها هذه الخصوصيّة التي بها قوام الإعجاز.
وتوضيح ذلك يتوقّف على أمرين: أحدهما: أ نّ دلالة الألفاظ على المعاني وأماريّتها لها وكشفها عنها ليس لأمر يرجع إلى الذات، بحيث يكون الاختصاص والدلالة ناشئاً عن ذات الألفاظ بلا مدخليّة جاعل وواضع، بل هذه الخاصّة اعتباريّة جعليّة، منشؤها جعل الواضع واعتبار المعتبر، والغرض منه سهولة تفهيم الإنسان ما في ضميره، والاستفادة منه في مقام الإفادة، فالاختصاص إنّما ينشأ من قبل وضع الواضع، و بدونه لامسانخة بينالألفاظ والمعاني ولادلالة لهاعليها، وتحقيقهذاالأمر في محلّه.
ثانيهما: أ نّ الواضع- على ما هو التحقيق- هو الإنسان لا خالقه وبارؤه؛ فإنّه هو الذي جعل اللفظ علامة دالّة على المعنى؛ لضرورة الحاجة الاجتماعيّة، وسهولة الإفادة والاستفادة، والتفهيم والتفهّم.
إذا ظهر لك هذان الأمران، ينقدح الإشكال في كون البلاغة من وجوه الإعجاز؛ فإنّه إذا كان الوضع راجعاً إلى الإنسان، مجعولًا له، مترشّحاً من قريحته، فكيف يمكن أن يكون التأليف الكلامي بالغاً إلى مرتبة معجزة للإنسان، مع أنّ الدلالة وضعيّة اعتباريّة جعليّة، ولا يمكن أن يتحقّق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة؟! مضافاً إلى أنّه على تقدير ثبوته وتحقّقه، كيف يمكن تعقّل التعدّد والتنوّع للنوع
[١] ص ٣٨- ٤٠.