مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٦٢ - التحدّي بالبلاغة
فانقدح من جميع ذلك: أنّ العناية بخصوص البلاغة لا تحتاج في الاستدلال عليها إلى وقوع التحدّي بها في نفس الكتاب العزيز، كسائر المزايا التي وقع التحدّي بها فيه، بل تظهر بالتأمّل في تخصيص النبيّ صلى الله عليه و آله بهذه المعجزة، مع ملاحظة معجزات سائر الأنبياء المتقدّمين.
نعم، لا ينحصر وجه التخصيص فيما ذكر؛ لأنّ له وجهاً آخر يعرف ممّا تقدّم؛ وهو: أنّ معجزة الخاتم لابدّ وأن تكون باقية إلى يوم القيامة؛ لأنّه كما أنّ الحدوث يحتاج إلى الإثبات من طريق الإعجاز كذلك البقاء يفتقر إليه أيضاً، لا بمعنى أنّ الحدوث والبقاء أمران يحتاجان إلى المعجزة، ولابدّ من الإتيان بها لكلّ منهما، بل بمعنى أنّ النبوّة الباقية لابدّ وأن تكون في بقائها غير خالية عن الإعجاز؛ ليصدّقها من لم يدرك النبيّ ولم يشاهده.
ومن الواضح: أنّ ما يمكن أن يكون باقياً إنّما هو من سنخ الكتاب؛ ضرورة أ نّ مثل انشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وما يشابههما من المعجزات [١]- ممّا لا يتّصف بالبقاء، بل يوجد وينعدم- لا يمكن أن يكون معجزة بالإضافة إلى البقاء، إلّاإذا بلغ إلى حدّ التواتر القطعي بالنسبة إلى كلّ طبقة وكلّ فرد، ومع ذلك لا يكاد يترتّب عليه الغرض المهمّ، فالكتاب المستظهر بقوله- تعالى-: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ و لَحفِظُونَ» [٢] معجزة وحيدة بالإضافة إلى البقاء والخلود، كما
[١] انظر حول معجزاته صلى الله عليه و آله كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى: ١/ ٥٥- ٥٩ ب ٢ في ذكر آياته ومعجزاته، والسيرة النبويّة لابن هشام ١: ٢٥٠، وج ٢/ ١٦- ١٧، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٧: ١٢٦، وبحار الأنوار: ١٧/ ٢٢٥- ٤٢١، الميزان فى تفسير القران ١٩: ٥٥.
في تفسير سورة القمر، ويراجع ص ٨٩- ٩١.
[٢] سورة الحجر ١٥: ٩.