مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٤ - شبهة وقوع المعارضة وتعداد من عارض بلاغة القرآن
وتضعيف عقائدهم، ونهب أموالهم، والتسلّط عليهم، كما هو ظاهر.
ولعمري، أ نّ مثل ذلك ممّا يوجب الطمأنينة للنفس بأنّ البشر مع ادّعائه السير الكمالي والرقى العلمي، لا يكون إلّافي القوس النزولي، والسير الانحطاطي، فإنّ العرب في الجاهليّة- مع شدّة تعصّبهم، وبعدهم عن الحقائق والمدنيّة- قد عرفوا حقيقة المعارضة، واعترفوا بعجزهم عن الإتيان بما يماثل القرآن، مع كون امتيازهم في ذلك العصر من حيث البلاغة والفصاحة فقط؛ فلذا آمن به بعض، وقال غيره: «إِنْ هذَآ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ» [١].
وأ مّا في هذا العصر، فلا معرفة لمثل الكاتب بهذه الحقيقة، فتراه يأتي بمثل ما ذكر بعنوان المعارضة، ويفتخر بهذا المبلغ العلمي، وهذه الدرجة من الإدراك.
وبالجملة: فمعنى المعارضة الراجعة إلى الإتيان بما في عرض الكلام الأوّل، وفي رتبته ودرجته عبارة عن الإتيان بكلام مستقلّ في جهاته الراجعة إلى ألفاظه وتركيبه واسلوبه، ومع ذلك كان متّحداً مع الكلام الأوّل في جهة من الجهات، أو غرض من الأغراض، وهذا المعنى لا يكون موجوداً في الجمل المذكورة.
مع أنّه سرق قوله في معارضة سورة الكوثر من مسيلمة الكذّاب الذي يقول:
«إنّا أعطيناك الجواهر، فصلِّ لربّك وهاجر، إنّ شانئك هو الكافر» [٢] وكم من المماثلة والسنخية بين السارق والمسروق منه، من جهة اعتقاد كليهما ببطلان مدّعاهما، ووقوعهما مغلوبين لهوى النفس وحبّ الجاه، والطمع في مطامع الدنيا الزائلة غير الباقية، والغفلة عن عالم الآخرة، والعقوبات المعدّة لمضلّي النّاس.
وأ مّا المقايسة بين ما ذكره، وبين الكتاب الذي لا يقايس عليه شيء، وليس كمثله كتاب.
[١] سورة المدّثر ٧٤: ٢٤.
[٢] البرهان في علوم القرآن: ٢/ ٩٣.