مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٩٤ - شبهة التناقض والاختلاف
وبالجملة: لا ينبغي الارتياب في أنّ اتّصاف الإنسان بالاختيار في أفعاله الإراديّة وصحّة إسنادها إليه- لأنّه فاعل مختار- من الامور البديهيّة عند العقلاء الذين هم الحكّام في باب التقنين، وجعل الأحكام، وما يتفرّع عليه من الإطاعة والعصيان، واستحقاق المدح أو الذمّ، والجنان أو النيران، وما هو بمنزلتهما من المثوبات والعقوبات الدنيويّة.
ومع قطع النظر عن جميع ما ذكرنا أنّ العاقل يرى الفرق الواضح بين حركة يد المرتعش، والحركة الاختياريّة الصادرة من غيره، ولا يرتاب في المغايرة البيّنة بين سقوط الإنسان من شاهق إلى الأرض قهراً، وبين إسقاطه نفسه منه إليها اختياراً، فيرى أنّه مختار في الثانية دون الاولى، ويستحقّ الذمّ فيها دونها.
فانقدح أنّ اتّصاف الإنسان بالاختيار- الذي هو المصحّح لإسناد الأفعال الاختياريّة الصادرة منه إليه- ممّا لا ريب فيه عند العقل والعقلاء، ولا شكّ فيه عند الوجدان أصلًا.
وأمّا صحّة إسناد هذه الأفعال- التي تسند إلى الإنسان حقيقة- إلى اللَّه- تبارك وتعالى- بالإسناد الخالي عن العناية والمسامحة، فلأنّ واجب الوجود لم ينعزل عن خلقه بعد الإيجاد، لما ثبت في محلّه- من العلم الأعلى- من أنّ الممكن كما يفتقر في حدوث وجوده وتلبّسه بلباس الوجود إلى العلّة، كذلك يحتاج في البقاء والاستمرار إليها؛ لأنّ الافتقار والحاجة من لوازم ذات الممكن وماهيّته، قال اللَّه تبارك وتعالى: «يأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ» [١].
وقال الشاعر الفارسي:
[١] سورة فاطر ٣٥: ١٥.