مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٩٣ - شبهة التناقض والاختلاف
فمن الأوّل: قوله- تعالى-: «فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَ مَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ» [١].
وقوله- تعالى-: «إِنَّا هَدَيْنهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَ إِمَّا كَفُورًا» [٢].
ومن الثاني: قوله- تعالى-: «وَ مَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ اللَّهُ» [٣] قالوا: وهذا تناقض صريح وتهافت محض.
والجواب: أمّا كون الإنسان مختاراً في أفعاله الاختياريّة، غير مجبور بالإضافة إليها، قادراً على الفعل والترك، فممّا يدركه الإنسان بالفطرة السليمة، ولا يشكّ فيه عند استقامتها، وعدم الانحراف عنها، وهذا الأمر- أي كون العبد مختاراً غير مجبور- ممّا أطبق عليه العقلاء كافّة، وبنوا عليه اموراً كثيرة؛ فإنّ القوانين الوضعيّة عندهم لغرض التنفيذ والموافقة لا يكاد يمكن فرض صحّتها، وواجديّتها للشرائط المعتبرة في التقنين إلّامع مفروغيّة اختيار الإنسان في أفعاله وأعماله؛ ضرورة أنّه لا معنى لسنّ القانون بالإضافة إلى غير المختار؛ فإنّ القانون إنّما يكون الغرض منه الانبعاث والموافقة، وهو لا يعقل تحقّقه بدون الإرادة والاختيار.
وكذا الأوامر والنواهي الصادرة من الموالي العرفيّة بالنسبة إلى عبيدهم، إنّما تتفرّع على كون اتّصاف العبيد بالقدرة والاختيار أمراً ضروريّاً عند العقلاء، ولا ارتياب فيه عندهم أصلًا.
وكذا التحسين والتقبيح العقلائيّان اللّذان هما من الموضوعات المسلّمة عند العقلاء، والأحكام الضروريّة لديهم، إنّما يتفرّعان على هذا الأمر الذي ذكرناه، بداهة أنّه لا وجه لاتّصاف العمل غير الاختياري بالحسن أو القبح، ومن عدم الاتّصاف لا يبقى موقع للمدح أو الذمّ.
[١] سورة الكهف ١٨: ٢٩.
[٢] سورة الإنسان ٧٦: ٣.
[٣] سورة الإنسان ٧٦: ٣٠.