مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤٨ - أدلّة عدم التحريف ومناقشة القائلين به
عثمان بعد انتهاء الأمر إليه ووصول النوبة به، وإمّا أن يقول بصدوره من شخص آخر بعده، فهذه احتمالات ثلاثة لا رابع لها» وجميعها فاسدة.
أمّا الاحتمال الأوّل: فيدفعه أنّهما في هذا التحريف إمّا أن يكونا غير عامدين، وإنّما صدر عنهما من جهة عدم وصول القرآن إليهما بتمامه، نظراً إلى عدم كونه مجموعاً قبل ذلك في زمن النبيّ صلى الله عليه و آله، وإمّا أن يكونا متعمّدين، وعلى هذا التقدير، فإمّا أن يكون التحريف الواقع منهما في الآيات التي لها مساس بزعامتهما لوقوع التصريح فيها، أو ظهورها في ثبوت الخلافة والولاية لأهلها؛ وهو عليّ أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين، وإمّا أن يكون في غيرها من الآيات.
فالتقادير المتصوّرة ثلاثة: أمّا التقدير الأوّل: الذي مرجعه إلى عدم وصول القرآن إليهما بتمامه، وكونهما غير متعمّدين في التحريف.
فيردّه: أ نّ اهتمام النبيّ صلى الله عليه و آله بأمر القرآن، والأمر بحفظه وقراءته، وترتيل آياته، واهتمام الصحابة بذلك في عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وبعد وفاته، يورث القطع بكون القرآن محفوظاً عندهم، جمعاً أو متفرّقاً، حفظاً في الصدور، أو تدويناً في القراطيس، وقد اهتمّوا بحفظ أشعار الجاهليّة وخطبها، فكيف لم يكن يهتمّون بأمر الكتاب العزيز الذي عرّضوا أنفسهم للقتل في نشر دعوته، وإعلان أحكامه، وهجروا في سبيله أوطانهم، وبذلوا أموالهم، وأعرضوا عن نسائهم وأطفالهم؟ وهل يحتمل عاقل مع ذلك كلّه عدم اعتنائهم بالقرآن، حتّى يضيع بين الناس، أو يحتاج في إثباته إلى شهادة شهادتين؟ على أنّ روايات الثقلين دالّة على بطلان هذا الاحتمال؛ فإنّ قوله صلى الله عليه و آله: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه، وعترتي» [١] لا يصحّ إذا كان بعض القرآن ضائعاً في
[١] كمال الدين: ٢٣٤- ٢٤١ ح ٤٤- ٦٤، وقد تقدّمت بتفصيلها والبحث فيها في ص ٢٢٨- ٢٣٧.