مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٧ - شبهة وقوع المعارضة وتعداد من عارض بلاغة القرآن
بالكذب، وإذا قال هؤلاء: إنّ الرجل قد عارض وأظهر كلامه ثقة منه بقوّته وفصاحته، وإنّه في ذلك من وزن القرآن وطبقته، وابن المقفّع هو من هو في هذا الأمر، قال أولئك: بل عارض ومزّق واستحيا لنفسه.
..! أ مّا نحن فنقول: إنّ الروايتين مكذوبتان جميعاً، وإنّ ابن المقفّع من أبصر الناس باستحالة المعارضة؛ لا لشيء من الأشياء، إلّالأنّه من أبلغ الناس، وإذا قيل لك:
إنّ فلاناً يزعم إمكان المعارضة، ويحتجّ لذلك، وينازع فيه، فاعلم أنّ فلاناً هذا في الصناعة أحد رجلين اثنين: إمّا جاهل يصدق في نفسه، وإمّا عالم يكذب على الناس، ولن يكون (فلان) ثالث ثلاثة! وإنّما نسبت المعارضة لابن المقفّع دون غيره من بلغاء الناس؛ لأنّ فتنة الفرق الملحدة إنّما كانت بعده، وكان البلغاء كافّة لا يمترون في إعجاز القرآن وإن اختلفوا في وجه إعجازه، ثمّ كان ابن المقفّع متّهماً عند الناس في دينه، فدفع بعض ذلك إلى بعض، وتهيّأت النسبة من الجملة.
ولو كانت الزندقة فاشية أيّام عبد الحميد الكاتب [١]، وكان متّهماً بها، أو كان له عرق في المجوسيّة، لما أخلته إحدى الروايات من زعم المعارضة، لا لأنّه زنديق، ولكن لأنّه بليغ يصلح دليلًا للزنادقة.
[١] عبد الحميد بن يحيى بن سعد العامري، المعروف بالكاتب، توفّي سنة ١٣٢ ه عالم كاتب أديب بليغ، له رسائل تقع في نحو ألف ورقة، فهو أوّل من أطال الرسائل، واستعمل التحميدات في فصول الكتب، كان كاتباً في ديوان مروان بن محمد آخر ملوك بني اميّة في المشرق، وأبى مفارقته حتى قتل معه بمصر من قبل العباسيّين (الأعلام للزركلي ٣: ٢٨٩- ٢٩٠).