مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢٦ - أدلّة عدم التحريف ومناقشة القائلين به
وكان يتحدّى به ويعدّه آيةً لنبوّته، وأ نّ القرآن الموجود اليوم بأيدينا هو القرآن الذي جاء به، وقرأه على الناس المعاصرين له في الجملة؛ بمعنى أنّه لم يضع من أصله بأن يفقد كلّه، ثمّ يوضع كتاب آخر يشابهه في نظمه أو لا يشابهه، ويشتهر بين الناس بأنّه القرآن النازل على النبيّ صلى الله عليه و آله.
فهذه امور لا يرتاب في شيء منها إلّامصاب في فهمه، ولا احتمله أحد من الباحثين في مسألة التحريف، وإنّما المحتمل زيادة شيء يسير كالجملة أو الآية، أو النقص أو التغيير في جملة أو آية في كلماتها أو إعرابها.
ثمّ إنّا نجد القرآن يتحدّى بأوصاف ترجع إلى عامّة آياته، ونجد ما بأيدينا من القرآن- أعني ما بين الدفّتين، واجداً لما وصف به من أوصاف تحدّى بها.
فنجده يتحدّى بالبلاغة والفصاحة، ونجد ما بأيدينا مشتملًا على ذلك النظم العجيب البديع، لا يشابهه شيء من كلام البلغاء والفصحاء المحفوظ منهم، والمرويّ عنهم من شعر أو نثر وأمثالهما.
ونجده يتحدّى بقوله: «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلفًا كَثِيرًا» [١] بعدم وجود اختلاف فيه، ونجد ما بأيدينا من القرآن يفي بذلك أحسن الوفاء.
ونجده يتحدّى بغير ذلك ممّا لا يختصّ فهمه بأهل اللغة العربيّة، كما في قوله- تعالى-: «قُل لَّل- نِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَ الْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذَا الْقُرْءَانِ لَايَأْتُونَ بِمِثْلِهِى وَ لَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا» [٢].
ثمّ نجد ما بأيدينا من القرآن يستوفي البيان في صريح الحقّ الذي لا مرية فيه، ويهدي إلى آخر ما يهتدي إليه العقل من اصول المعارف الحقيقيّة، وكلّيات الشرائع
[١] سورة النساء ٤: ٨٢.
[٢] سورة الإسراء ١٧: ٨٨.