مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٩١ - الأمر الثالث حكم العقل
والاحتياج المنافي لوجوب الوجود؛ لأنّ المتّصف به غنيّ بالذات- يوجب عدم انعقاد ظهور له في هذا المعنى، وهو اتّصاف الرّبّ بالمجيء.
وهكذا قوله- تعالى-: «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» [١] ومثله الآيات الظاهرة على خلاف حكم العقل.
فانقدح أنّ حكم العقل- مع كونه من الامور التي هي اصول التفسير، ولا مجال للإغماض عنه في استكشاف مراد اللَّه- تعالى- من كتابه العزيز- يكون مقدّماً على الأمرين الآخرين، ولا موقع لهما معه.
أ مّا تقدّمه على الظهور فلِما عرفت من عدم انعقاده مع حكم العقل على الخلاف؛ لأنّه بمنزلة قرينة متّصلة.
وأ مّا تقدّمه على الأمر الآخر؛ فلأنّ حجّية قوله إنّما تنتهي إلى حكم العقل وتستند إليه، فكيف يمكن أن يكون مخالفاً له؟ فالمخالفة تكشف عن عدم صدوره عن المعصوم عليه السلام، أو عدم كون ظاهر كلامه مراداً له، فكما أنّه يصير صارفاً لظاهر الكتاب، يوجب التصرّف في ظاهر الرواية بطريق أولى، كما لا يخفى.
وقد تحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الذي يبتني عليه التفسير إنّما هو خصوص الامور الثلاثة المتقدّمة: الظاهر، وقول المعصوم، وحكم العقل، ولا يسوغ الاستناد في باب التفسير إلى شيء آخر.
نعم، في باب الظواهر لابدّ من إحراز الصغرى؛ وهي الظهور الذي مرجعه إلى الإرادة الاستعماليّة؛ ضرورة أنّ التطابق بين الإرادتين لا يتحقّق بدون تشخيص الإرادة الاستعماليّة، وإحراز مدلول اللفظ.
ويقع الكلام حينئذٍ في طريق هذا التشخيص لمن لا يكون عارفاً بلغة العرب، ولا يكون من أهل اللّسان، ولا يجوز الاتّكال في ذلك على قول المفسّر، أو اللّغوي، مع عدم إفادة قولهما اليقين،
[١] سورة طه ٢٠: ٥.