مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩٧ - الجهة الخامسة استلزامها للقول بالتحريف
فقد ظهر أنّ الجمع- بمعناه الذي هو محلّ الكلام- بعيد عن مفاد جميع الروايات بمراحل، وأ نّ المتّصف به لا يكون غير النبيّ صلى الله عليه و آله بوجه، فالروايات وكذا التواريخ الدالّة على تحقّق الجمع من أشخاص في زمن النبيّ صلى الله عليه و آله أجنبيّ عن المقام بالمقدار الذي تكون الروايات التي هي مورد لاستدلال القائل بالتحريف كذلك، وعدم الالتفات إلىذلك صارموجباً للخلط والاشتباه والانحراف عن مسير الحقيقة، كما عرفت.
وأ مّا ارتباطه بعثمان الذي اشتهر إضافة القرآن وانتسابه إليه، واشتهر عنه حرق مصاحف غيره، حتّى سمّي بحرّاق المصاحف [١]، وانتقد عليه من هذه الجهة، فليس لأمر يرجع إلى الجمع والتأليف بالمعنى الذي ذكرنا من تميّز الآيات والسور، وتبيّن بعض كلّ واحدة منهما عن البعض الآخر، بل الظاهر- كما دلّ عليه بعض الروايات المتقدّمة [٢]- أ نّ ارتباطه بعثمان إنّما هو من جهة أنّه جمع المسلمين على قراءة واحدة، بعد تحقّق اختلاف القراءة بينهم، من جهة اختلاف القبائل والأمكنة في اللحن والتعبير.
قال الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس أ نّ جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأمّا قبل ذلك، فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي نزل بها القرآن.
..» [٣].
نعم، يقع الكلام في أنّ القراءة الواحدة التي جمع عثمان المسلمين عليها ماذا؟
وأ نّه اعتمد في ذلك على أيّ شيء؟
[١] البيان في تفسير القرآن: ٢٥٧.
[٢] في ص ٢٧٤- ٢٧٧.
[٣] الإتقان في علوم القرآن: ١/ ٢١١.
النوع الثامن عشر.