مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٦ - المقام الأوّل دعوى تواتر القراءات
ولأجل أن يسلم هذا الأصل قال السيوطي في الإتقان: «ومن المشكل على هذا الأصل ما ذكره الإمام فخر الدين، قال: نُقل في بعض الكتب القديمة: أ نّ ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة والمعوّذتين من القرآن.
وهو في غاية الصعوبة؛ لأنّا إن قلنا: إنّ النقل المتواتر كان حاصلًا في عصر الصحابة بكون سورة الفاتحة من القرآن، فإنكاره يوجب الكفر، وإن قلنا: لم يكن حاصلًا في ذلك الزمان، فيلزم أنّ القرآن ليس بمتواتر في الأصل.
قال: وإلّا غلب على الظنّ أنّ نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل باطل، وبه يحصل الخلاص عن هذه العقدة» [١].
ثمّ نقل السيوطي أقوالًا مختلفة في هذه الحكاية راجعة إلى تكذيبها، وأ نّه موضوع على ابن مسعود، أو إلى بطلان ما ذكره وعدم صحّته بوجه، أو إلى تأويله بحيث لا ينافي كونها من القرآن بنحو التواتر [٢].
وبالجملة: ثبوت هذا الأصل بينهم ممّا لا ينبغي الارتياب فيه، وهو يكفي في مقام الجواب عن ذلك التوهّم، والفرق بين القرآن وغيره، مضافاً إلى أنّه لا محيص عن انحصار ثبوت القرآن بالتواتر؛ وذلك لتوفّر الدواعي على نقله؛ ضرورة أنّه من أوّل نزوله لم ينزل بعنوان بيان الأحكام فقط، بل بعنوان المعجزة الخالدة، الذي يعجز الإنس والجنّ إلى يوم القيامة عن الإتيان بمثل سورة منه، وقد مرّ [٣] في بحث الإعجاز دلالة القرآن بنفسه على كونه معجزة خالدة، وفي مثل ذلك تتوفّر الدواعي على نقله وضبطه؛ ليحفظ ويبقى ببقائه الدين الحنيف الذي هو أكمل الأديان، وأتمّ الشرائع.
وعليه: فما نقل بطريق الآحاد لا يكون قرآناً قطعاً، وإلّا لكانت الدواعي على
[١] التفسير الكبير للفخر الرازي: ١/ ١٩٠.
[٢] الإتقان في علوم القرآن: ١/ ٢٧٠- ٢٧٢.
[٣] في ص ٣٨- ٤٠.