مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٥٠ - أدلّة عدم التحريف ومناقشة القائلين به
فانقدح أنّ الاحتمال الأوّل فاسد بجميع تقاديره.
وأمّا الاحتمال الثاني: وهو وقوع التحريف من عثمان، فهو أبعد من الدعوى الاولى؛ لأنّ الإسلام قد انتشر في زمانه على نحو لم يكن في إمكانه وإمكان من هو أكبر منه أن ينقص من القرآن شيئاً.
ولأنّه لو كان محرِّفاً للقرآن لكان في ذلك أوضح حجّة، وأكبر عذر لقتلة عثمان علناً، ولما احتاجوا في الاحتجاج على ذلك إلى مخالفته لسيرة الشيخين في بيت مال المسلمين، وإلى ما سوى ذلك من الحجج.
ولأ نّه كان من الواجب على عليّ عليه السلام بعد عثمان أن يردّ القرآن إلى أصله الذي كان يقرأ به في زمان النبيّ صلى الله عليه و آله وزمان الشيخين، ولم يكن عليه في ذلك شيء ينتقد به، بل ولكان ذلك أبلغ أثراً في مقصوده، وأظهر لحجّته في الثائرين بدم عثمان، ولاسيّما أ نّه عليه السلام قد أمر بإرجاع القطائع التي أقطعها عثمان، وقال في خطبة له: «واللَّه لو وجدته قد تُزُوِّج به النساء، ومُلك به الإماء لرددته؛ فإنّ في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق» [١] هذا أمر عليّ عليه السلام في الأموال، فكيف يكون أمره في القرآن لو كان محرّفاً؟! [٢].
[١] نهج البلاغة، للدكتور صبحي الصالح: ٥٧، الخطبة ١٥.
[٢] والإنصاف: أ نّ هذه الجهة بنفسها تكفي لدفع احتمال التحريف الذي يدّعي القائل به وقوعه في زمن الخلفاء الثلاثة؛ فإنّ إمضاء عليّ عليه السلام للقرآن الموجود في عصره، وعدم التعرّض لتكميله على تقدير التحريف، بل وعدم التفوّه بذلك، دليل على كماله وعدم نقصه؛ لأنّه عليه السلام لم يتقبّل أمر الخلافة الظاهريّة لأجل حبّها وحبّ الرئاسة، بل لأجل ترويج الدين وتأييد شريعة سيِّد المرسلين صلى الله عليه و آله.
ومع هذا الفرض فلم يكن هناك موضوع أهمّ من ردّ القرآن إلى أصله لو كان محرّفاً، مع كونه هو الثقل الأكبر، والمعجزة الوحيدة الخالدة إلى يوم القيامة، واقتداره على ذلك بعد استقرار أمره كان واضحاً ضروريّاً، وعلى تقدير العدم فالمبارزة لأجله- حتّى مع البلوغ إلى مرتبة بذل الخلافة والإعراض عنها- كانت لائقة، فالإنصاف أ نّ هذا الدليل كافٍ لدفع أصل التحريف وإبطال القول به، بشرط الخلوّ عن التعصّب، وعدم الجمود على خلاف إدراك العقل.