مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٥١ - أدلّة عدم التحريف ومناقشة القائلين به
وأمّا الاحتمال الثالث: الذي مرجعه إلى دعوى وقوع التحريف بعد زمان الخلفاء، فلم يدّعها أحد فيما نعلم، غير أنّها نسبت إلى بعض القائلين بالتحريف، فادّعى أ نّ الحجّاج لمّا قام بنصرة بني اميّة أسقط من القرآن آيات كثيرة كانت قد نزلت فيهم، وزاد فيه ما لم يكن منه، وكتب مصاحف وبعثها إلى مصر والشام والحرمين، والبصرة والكوفة، وأ نّ القرآن الموجود اليوم مطابق لتلك المصاحف، وأمّا المصاحف الاخرى فقد جمعها ولم يُبقِ منها شيئاً ولا نسخة واحدة [١].
أقول: ولعلّ من هذه الجهة قول بعض القائلين بالتحريف في آية «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ» [٢] في سورة القدر: إنّ أصلها كان هكذا: «ليلة القدر خير من ألف شهر» يملكها بنو اميّة وليس فيها ليلة القدر [٣]، مع أنّ ملاحظة مقدار آيات تلك السورة وقصور معنى هذه الآية الأصليّة، بل عدم ارتباط موضوع ليلة القدر بأمر خلافتهم يكفي في القطع، بخلاف ذلك وإن لم يكن هنا دليل على عدم التحريف، فضلًا عن الأدلّة الكثيرة المتقدّمة الدالّة على ذلك بأقوى دلالة.
وكيف كان، فالدليل على بطلان الاحتمال الثالث: أ نّ الحجّاج كان واحداً من ولاة بني اميّة، وهو أقصر باعاً، وأصغر قدراً، وأقلّ وزناً من أن ينال القرآن بشيء، بل وهو أحقر من أن يغيّر شيئاً من الفروع الإسلامية، فكيف في إمكانه أن يغيّر ما هو أساس الدين، وقوام الشريعة؟! ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الإسلام وغيرها، مع انتشار القرآن فيها؟! وعلى تقديره، وفرض وقوعه.
فكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرّخ في تاريخه، ولا ناقد في نقده، مع ما فيه من الأهمّية، وكثرة الدّواعي إلى نقله؟! وكيف أغضى المسلمون عن هذه الجناية- التي لم يكن مثلها جناية- بعد انتهاء أمر
[١] انظر مناهل العرفان في علوم القرآن: ١/ ٢١٧.
[٢] سورة القدر ٩٧: ٣.
[٣] تفسير القمّي: ٢/ ٤٣١، سنن الترمذي: ٥/ ٤٤٤ ب ٩٧ ح ٣٣٦١.