مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٦٤ - التحدّي بالبلاغة
البالغ مرتبة الإعجاز، والرتبة الفائقة على قدرة البشر، مع أنّ القرآن كثيراً ما يورد في المعنى الواحد والمقصود الفارد عبارات مختلفة، وبيانات متعدّدة، وتراكيب متفرّقة، سيّما في باب القصص والحكايات الماضية؟ والجواب عن هذا الإشكال: أ نّ حديث الوضع، ودلالة الألفاظ على معانيها وإن كان كما ذكر، إلّاأنّ استلزام ذلك لعدم كون البلاغة من وجوه الإعجاز ممنوع؛ فإنّ الموضوع في باب الألفاظ ووضعها للمعاني إنّما هو المفردات.
وأ مّا البلاغة، فهي لا تتحقّق بمجرّد ذلك؛ فإنّه من أوصاف الجملة والكلام، والاتّصاف بها إنّما هو فيما إذا كانت الجملة التي يركبها المتكلّم، والكلمات التي يوردها، حاكية عن الصورة الذهنيّة المتشكِّلة في الذهن، المطابقة للواقع.
ومن الواضح: أنّ تنظيم تلك الصورة، وإيراد الألفاظ الحاكية لها من الامور التي لا ترجع إلى باب الوضع ودلالة مفردات الجمل وألفاظ الكلمات، بل يحتاج إلى مهارة في صناعة البيان، وفنّ البلاغة، ونوع لطف في الذهن يقتدر به على تصوير الواقع وخصوصيّاته، وإيجاد الصورة المطابقة له في الذهن.
فانقدح أ نّ اتّصاف الكلام بالبلاغة يتوقّف على جهات ثلاث يمكن الانفكاك بينها، ومسألة الوضع والدلالة إحدى تلك الجهات، ولا ملازمة بينها وبين الجهتين الاخريين.
نعم، لو قلنا بثبوت وضع للمركّبات زائداً على وضع المفردات التي منها الهيئة التركيبيّة- بأن كان في مثل «زيد قائم» وضع آخر زائداً على وضع «زيد»، ووضع «قائم» بمادّته وهيئته، ووضع هيئة الجملة الإسميّة، وكان الموضوع في الوضع الزائد مجموع هذه الجملة بما هو مجموعها، ولا محالة يصير الوضع حينئذٍ شخصيّاً لا نوعيّاً، كما هو ظاهر- لكان لهذا الإشكال مجال؛ إذ كلّ جملة مؤلّفة لابدّ وأن تنتهي إلى وضع الواضع.