مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٥٩ - التحدّي بالبلاغة
يعترض على كتاب فقهيّ- ككتاب التذكرة للعلّامة الحلّي-: ائت بمثله، إلّاإذا كان له حظّ وافر من الفقه، وسهم كامل من ذلك العلم، فتوجيه هذا النحو من الخطاب إنّما ينحصر حسنه في مورد خاصّ.
وعليه: فدعوة الناس إلى الإتيان «بسورة مثل القرآن»، أو «بعشر سور مثله» مع انحصار فضيلتهم في البلاغة، إنّما يكون الغرض منها الدعوة إلى الإتيان بمثله في البلاغة التي كانت العرب تمتاز بها، فوجه الشبه في الآيتين وإن لم يصرّح به فيهما، ولم يقع التعرّض له، إلّاأنّه بملاحظة ما ذكرنا ينحصر بالبلاغة ليحسن توجيه مثل هذا الخطاب، كما عرفت.
بل قد مرّ سابقاً [١] أ نّه يمكن أن يقال: إنّ توصيف عشر سور بوصف كونها مفتريات، لا يكاد ينطبق ظاهراً إلّاعلى المزايا الراجعة إلى الألفاظ، من دون ملاحظة المعاني وعلوّها، وعلى الخصوصيات التي تشتمل عليها العبارات، من دون النظر إلى المطالب وسموّها، وبهذا الوجه قد تفصّينا عن إشكال مخالفة الترتيب الطبيعي الواقعة في آيات التحدّي بمقتضى النظر البدوي، كما عرفته مفصّلًا.
وبالجملة: لا ينبغي الارتياب في أنّ العناية في الآيتين إنّما هي بموضوع البلاغة فقط، مع أنّ كون البلاغة من أعظم وجوه الإعجاز لايحتاج إلى التصريح به في الكتاب، بل يحصل العلم به بالتدبّر في كون الكتاب معجزة عظيمة للنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله، وأ نّه لماذا بعث اللَّه موسى بن عمران بالعصا ويده البيضاء [٢]، وعيسى بن مريم بآلة الطبّ [٣]، ومحمّداً صلى الله عليه و آله بالكلام والخطب؟ [٤]، مع أنّ المعتبر في حقيقة الإعجاز هو كون المعجز أمراً خارقاً للعادة البشريّة، والنواميس الطبيعيّة، كما عرفت تفصيل الكلام فيه.
[١] في ص ٣٤- ٣٥.
[٢] سورة الأعراف ٧: ١٠٧- ١٠٨، ١١٥- ١١٧، سورة طه ٢٠: ١٧- ٢٢، ٦٥- ٦٩، سورة الشعراء ٢٦: ٤٣- ٤٥.
[٣] سورة آل عمران ٣: ٤٩، سورة المائدة ٥: ١١٠.
[٤] كما في الرواية الآتية في هامش ص ٦١- ٦٢.