مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٣٤ - أدلّة عدم التحريف ومناقشة القائلين به
إلى النور من جميع الجهات.
ومن المعلوم أنّ العمدة في تحصيل هذا الغرض المهمّ هي ما يرجع إلى الاصول الاعتقاديّة، ومسائل التوحيد والنبوّة والإمامة وأشباهها، وحينئذٍ فكيف يسوغ القول بأنّ الغرض من الأمر بالتمسّك به هو التمسّك بخصوص آيات الأحكام العمليّة منها؟ إذ ليس هو كتاباً فقهيّاً فقط.
وعليه: فالتمسّك المأمور به هو التمسّك به من جميع الجهات التي لها مدخليّة في السير إلى الكمال، وحصول الخروج من الظلمات إلى النور، وتحقّق الهداية، ومحو الضلالة والجهالة، فالاستدلال بالحديث على عدم وقوع التحريف في شيء من آياته تامّ لا شبهة فيه ولا ارتياب، كما لا يخفى على اولي الألباب.
الوجه الثاني: أنّ الظاهر من الحديث أ نّ كلّاً من الثقلين حجّة مستقلّة، ودليل تامّ في عرض الآخر وفي رتبته؛ بمعنى عدم توقّف حجّية كلّ منهما على الآخر، وعدم الافتقار إلى تصويبه وإمضائه، لا بمعنى كون كلّ واحد منهما كافياً في الوصول إلى الكمال الممكن، والخروج من الضلالة، وارتفاع خوف الجهالة؛ فإنّ هذا الأثر قد رتّب في الحديث على الأخذ بمجموع الثقلين، والتمسّك بكلا الميراثين، بل بمعنى كون الأثر وإن كان كذلك إلّاأ نّه لا ينافي الاستقلال، وتماميّة كلّ منهما في الحجّية والدليليّة.
والغرض أ نّ الحجّة ليست هي المجموع، بل كلّ واحد منهما من دون توقّف على الآخر، ومن دون منافاة ومضادّة لترتّب الأثر، والغرض على الأخذ بالمجموع والتمسّك به، وهذا كما أنّ كلّ واحد من الأدلّة الأربعة المعروفة- الكتاب والسنّة والعقل والإجماع- دليل وحجّة مستقلّة في الفقه، مع أنّ الاستنباط، واستكشاف الحكم يتوقّف على لحاظ المجموع ورعاية الكلّ.
وبالجملة: الحديث ظاهر في كون كلّ واحد من الثقلين دليلًا وحجّة مستقلّة، وحينئذٍ نقول: بناءً على عدم التحريف، وعدم كون القرآن الموجود فاقداً