الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦
ومن حسن الحظ أنّ روايات أهل السنّة متّفقة على أنّ القصر في السفر عزيمة، فقد أخرج مسلم في صحيحه أحاديث تسعة كلّها تدلّ على العزيمة نقتصر بذكر واحد منها.
أخرج مسلم عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم(صلى الله عليه وآله وسلم)في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة .[١]
وأخرج أيضاً عن جابر بن عبدالله: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتّى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء فرفعه حتّى نظر الناس إليه ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام، فقال: «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة»[٢].
إنّما الكلام فيما لو لم يدلّ دليل من الخارج على أحد الأمرين، فهل الرفع عزيمة أو رخصة؟ فيه قولان:
الأوّل: أنّه عزيمة. وهو خيرة صاحب الجواهر، قال في حكم صيام الشيخ والشيخة وذي العطاش ما هذه عبارته: ثم لا يخفى عليك أنّ الحكم في المقام ونظائره من العزائم لا الرّخص; ضرورة كون المدرك فيه نفي الحرج ونحوه ممّا يقضي برفع التكليف، مع عدم ظهور خلاف فيه من أحد من أصحابنا عدا ما عساه يظهر من المحدّث البحراني، فجعل المرتفع التعيين خاصّة تمسّكاً بظاهر قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ )[٣].
[١] صحيح مسلم:٢/١٤٣، باب صلاة المسافرين وقصرها.
[٢] صحيح مسلم:٣/١٤١، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.
[٣] جواهر الكلام: ١٧ / ١٥٠ .