الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨١
تحليل نظرية السيّد الأُستاذ
لايخفى أنّ في ما ذكره (قدس سره)نظر، من جهات:
أمّا أوّلاً: فإنّ منصب الحكم وإن كان لاينفك عن نصب وعزل وأمر ونهي مع وجوب طاعة الناس لما يصدر عنه، إلاّ أنّ الأوامر المناسبة لذاك المنصب هي الأوامر التي تصدر بصورة جزئية ولاتدخل تحت ضابطة، وتختلف صورها باختلاف الظروف، كعزل وال ونصب آخر مكانه، وما يرجع إلى كيفيات القتال، وحبس المتّهم أو إطلاقه، وعقد اتّفاقيّة مع قوم أو نقضها، وكتقسيم أراضي بني النضير بين المهاجـرين، إلى غير ذلك من الأُمور التي يلزم تنفيذها حفظاً للأحكام الكلّية الإلهيّة وصيانة لها. وبما أنّ تلك الأحكام المزبورة لاتدخل تحت ضابطة خاصّة، وربّما تقتضي المصلحة الأمر بالشيء وأُخرى النهي عنه، و قد جاء الوحي الإلهي ملزماً بتنفيذ ما أتى الرسول به وما نهى عنه قائلاً:(وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[١]، فالمولى سبحانه فوّض حكم تلك الموارد الجزئية إلى ولي الأمر لا بصورة فوضوية، بل في إطار مصلحة الأُمّة مع عدم مخالفة ما يأمر وينهى للأحكام الكليّة الشرعية. وقوله سبحانه:(وَ ما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)،(٢) راجع إلى القضاء في هذه الموارد.
وأمّا الأحكام الكلّية، كالنهي عن الضرر والضرار، والحرج والمشقّة، التي لاتختصّ بمكان دون مكان ولا زمان دون زمان، حيث إنّ الإضرار قبيح والإيقاع في الحرج لايوافق الفطرة، ففي مثلها يكون الحكم إلهياً ناشئاً من ملاحظة المصالح والمفاسد الكلّية دون الوقتية والزمنية، لاحكماً سلطانياً
[١] الحشر: ٧. ٢ . الأحزاب:٣٦.