الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٥
شيوعه في العبادات والمعاملات، حيث حكم بدفع الزكاة والخمس والمقاتلة في ميادين الحرب، كما أمر بإراقة الخمور وكسر الأصنام والصلبان والملاهي وغير ذلك.
وذلك لما عرفت من أنّ منحى الحديث هو إضرار النّاس بعضهم ببعض، وأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أخبر عن خلوّ حياة الناس عن الضرر والضرار، ادّعاءً لأجل خلوّ صفحة التشريع عن تجويز ذلك . فإذا انتفى التشريع عنهما، فكانت رقعة الحياة خالية عنهما، لأنّ النّاس ملزمون بالعمل بما جاء به الشارع المقدّس.
وأمّا الأحكام الّتي ربّما تكون ذريعة للضّرر، فمع قطع النظر عن عدم كونها ضرريّة، لأنّ فيها حياة الفرد والمجتمع، قال سبحانه:(يا أيّها الّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبُوا للّهِ وللرّسُولِ إذا دَعاكُمْ لما يُحييكُمْ وَاعْلَموا أنّ اللّه يحولُ بَيْنَ المرء وقَلْبِهِ وأنّه إليه تُحْشَرونَ)، [١] فهي خارجة عن مفاد الحديث موضوعاً، ولانحتاج إلى تجشّم الجواب الذي ذكرناه سابقاً. فمورد الحديث ومنحاه وهدفه وغايته، تربية الناس تربية سامية إسلاميّة، حتّى لايضرّ أحد أحداً. ولأجل ذلك فقد أخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بتأكيد عن عدم أيّ تشريع للضرر، أي ضرر بعض النّاس بعضاً.[٢]
[١] الأنفال:٢٤.
[٢] يلاحظ على مختاره ـ دام ظلّه ـ بما يلي:
أوّلاً: أنّ من فحص فحصاً تامّاً في طيّات كتب الحديث عن مدارك القاعدة سوف يجد أنّ هناك موارد ليست بالقليلة يظهر منها أنّه ليس النّاس بعضهم لبعض مصدر الضرر وفاعله بل هو الشّارع، ولذلك نفيت تلك الأحكام ورفعت لوجود الضّرر فيها لو شرّعت على المكلّفين.
نعم لو قلنا بأنّ مدرك القاعدة هو حديث سمرة واضرابُه فقط، لكان للقول بانحصار مصدر الضرر في النّاس مجال. وفي ما مرّ من الأحاديث برقم ٨٣ ـ٨٦ إلماع لما ذكرناه.
وثانياً: أنّ استناد الفقهاء في جميع أبواب العبادات من الطهارة والصلاة والصوم والحجّ والجهاد والزّكاة وما إلى ذلك، إلى أدلّة قاعدة نفي الضّرر لايقل عن استنادهم إلى أدلّة نفي الحرج.
ثمّ إنّ استنادهم إلى أدلّة نفي الحرج في بعض الموارد ليس لاعتقادهم بعدم صحّة الاستدلال بقاعدة نفي الضّرر هناك، بل لاعتقادهم عدم الفرق الكبير بين القاعدتين منحىً ومورداً كما يبدو لمن تأمّل في عباراتهم، وخاصّة إذا لاحظنا عدم تُعنوَن قاعدة لاضرر في كتب القدماء بصورة مستقلّة ومتميّزة ثغورها عن القواعد الأُخر المشابهة كقاعدة نفي الحرج وما شاكلها.
ولذلك نرى المحقّق الحلّـي في كتابه المعتبر :١/١٣٨ في مكروهات التخلّي من كتاب الطهارة، عندما يريد الاستدلال على عدم كراهة التكلّم حين التغوّط عند الضرورة يقول:«وأمّا حال الضرورة فلما في الامتناع من الكلام من الضّرر المنفي بقوله تعالى:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)» .