الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٧
فتكون الأدلّة مجملة لا يحتجّ بها إلاّ فيما هو المتيقّن، أعني: الخارج عن قدرة الإنسان.
ولا يخفى أنّه لو صحّ ما ذكره يلزم إنكار القاعدة من رأس، فإنّ التكليف بما لا يطاق قبيح عقلاً لا يحتاج إلى إقامة دليل من الكتاب والسنّة، وأمّا ما سواه فقد اعترف القائل بأنّ الجميع من مصاديق الحرج.
ثم إنّ المحقّق النراقي قال: ولم أعثر على مَن تعرّض لذلك المقال إجمالاً ولا تفصيلاً إلاّ طائفة من المتأخّرين. ثم ذكر قولين أحدهما من السيد الطباطبائي بحر العلوم، والآخر من صاحب القوانين، ثم أجاب هو جواباً آخر، ولا بأس بالتعرّض لما أجاب به السيد الطباطبائي.
أمّا الأوّل فقد قال: ذكر بعض سادة مشايخنا طاب ثراه في فوائده، قال (قدس سره)بعد بيان نفي الحرج: وأمّا ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة، كالحج، والجهاد، والزكاة بالنسبة إلى بعض الناس، والدية على العاقلة، ونحوها، فليس شيء منها من الحرج، فإنّ العادة قاضية بوقوع مثلها، والناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف ومن دون عوض، كالمحارب للحميّة، أو بعوض يسير، كما إذا أُعطي على ذلك أُجرة، فإنّا نرى أنّ كثيراً يفعلون ذلك بشيء يسير.
وبالجملة: فما جرت العادة بالإتيان بمثله والمسامحة وإن كان عظيماً في نفسه، كبذل النفس والمال، فليس ذلك من الحرج في شيء.
نعم تهذيب النفس، وتحريم المباحات، والمنع عن جميع المشتبهات، أو نوع منها، على الدوام حرج وضيق، ومثله منتف في الشرع.[١]
[١] فوائد الأُصول: ١١٨، الفائدة ٣٦.