الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤
والله سبحانه أرحم بعباده من أن يفتنهم بما يوقعهم في العذاب غالباً.
وكما أنّ التكليف بما لا يطاق ممتنع عليه تعالى، للزوم القبح والخروج عن العدل، فكذلك التكليف بالحرج، فإنّه مناف للّطف والرحمة.[١]
وربّما يعترض عليه بأنّ التكليف بما لا يطاق بمعنى عدم القدرة على امتثال التكليف أمر قبيح عقلاً ولكنّه لا صلة له بقاعدة لا حرج; لأنّ ظاهر القاعدة أنّه تبارك وتعالى في مقام الامتنان على هذه الأُمّة، ولا امتنان في رفع ما لا يمكن جعله ووضعه .[٢]
يلاحظ عليه: بأنّ السيد المراغي لم يستدلّ في المقام بقبح التكليف بما لا يطاق حتّى يتوجّه إليه ما ذكر، وإنّما جمع بين أمرين لكن كلاًّ بملاك خاص: التكليف بما لا يطاق وهو على خلاف العدل; والتكليف الحرج فإنّه على خلاف اللطف، ويبعّد عن الطاعة ويكون باعثاً إلى كثرة المخالفة، وهو ينافي اللطف والرحمة، ولا شكّ أنّ رفعه لطف وامتنان.
ويؤيد ما ذكره المراغي، قولُه سبحانه: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا
لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ)[٣].
والإصر في اللغة هو الثقل، وربّما يستعمل بمعنى العهد والهمّ، ولكن المراد هنا هو الأوّل.
[١] العناوين: ١ / ٢٨٦ .
[٢] القواعد الفقهية للسيد البجنوردي: ١ / ٢٥٢ ـ ٢٥٣ .
[٣] البقرة: ٢٨٦ .