الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٦
وأمّا الثالث: أعني الجهاد في سبيل اللّه فانطباع الشارع عن الجهاد هو أنّ فيه حياة الأُمّة وفي تركه ذلّها وهوانها، فلا يتلقّاه الشارع ضرراً كما يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعَاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) .[١]
فإذا كان هذا هو موقف الشارع من الجهاد وعند ذاك قال: «لا ضرر» يتبادر من كلامه، الضرر الموجود في الجهاد، لأنّه في مقابل الحياة التي يؤدّيها الجهاد إلى الأُمّة، شيء ضئيل لا يُعبأ به، ولذلك يقول في آية أُخرى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذاب أَليم * تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[٢] حيث يصرّح بأنّ الخير المكنون في الجهاد شيء لا يقف عليه الكثيرون منهم ولو وقفوا لاستقبلوه ولما ضنّوا بنفسهم ونفيسهم في طريقه.
وأمّا الرابع: أعني: الحدود، كحدّ الزاني وحبس المعتدي وقطع يد السارق وغير ذلك فلأنّها وإن كانت ضرراً بالنسبة إلى المضروب والمحدود، لكن فيها حياة المجتمع وقد قال سبحانه: (وَلَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُولي الأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)[٣]، فرفع الحدود يوجب شيوع الفوضى في المجتمع والهرج والمرج في الأعراض والأنفس والأموال وبالتالي الضرر المهدّم لكيان الأُمّة.
إلى هنا تبيّن أنّ خروج هذه الموارد عن القاعدة خروج موضوعي
[١] الأنفال:٢٤.
[٢] الصف:١٠ـ١١.
[٣] البقرة:١٧٩.