الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٥
هذا، مع أنّ مقتضى البلاغة التحفّظ على كون النفي بمعناه، لابمعنى النهي وإلاّ لنزل الكلام من ذروة البلاغة إلى حضيض الكلام العادي.
بيان ذلك في قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ ولا جِدالَ فِي الحَجّ) ، أنّ شدة علاقة الشارع بطهارة محيط الحجّ عن هذه الأُمور الثلاثة دفعه إلى الإخبار عن خلوه منها. وهذا كثير في المحاورات العرفية. ألا ترى أنّ الرجل يقول لزوجته أو صاحبه: «لا كذب ولا خيانة» وذاك أنّ رغبته بطهارة حياته العائلية أو الاجتماعية من الكذب والخيانة، ألجأه إلى الإخبار عن عدم وجودهما. كما أنّ رغبة الأب إلى صلاة ابنه تدفعه بدل الأمر بها، إلى الإخبار عنها فيقول في محضره:«ولدي يصلّي»، مع أنّ الغاية في جميع ذلك هو النهي أو الأمر. وهذا غير القول بأنّ النفي مستعمل في الآية وأمثالها في النهي ابتداءً، أو في النفي لينتقل إلى إرادة النهي. ولأجل ذلك لو جعلنا مكان «لا» لفظة «ليس» وقلنا:(ليس في الحج رفث ولافسوق ولاجدال)، كانت الجملة صحيحة ومتّزنة.
وثانياً: أنّ استعمال الهيئة في النفي ليس بأقلّ من استعمالها في النهي بأحد الوجهين، لاحظ الجمل التالية:«لا بيع إلاّ في ملك»، «لا عتق إلاّ في ملك»، «لا طلاق إلاّ على طهر»، «لا يمين للولد مع والده»، «لا يمين للمملوك مع مولاه ولاللمرأة مع زوجها»، «لارضاع بعد فطام»، «لا نذر في معصية اللّه»، «لايمين للمكره»، و«لارهبانية في الإسلام» وغير ذلك، تجد أنّه لايصحّ فيها إلاّ إبقاء النفي على معناه.
ولك أن تقول: إنّ ما يقع بعد النفي إذا كان مناسباً للحكم الوضعي ـ كما في هذه الأمثلة ـ، فالصيغة متعيّنة في النفي، وأمّا غيره فهو محتمل للوجهين.