الإيضاحات السَّنيّة للقواعد الفقهية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٤
الثاني: أنّ النهي في هذا المورد تنزيهي قطعاً لعدم حرمة منع فضل الماء عن الغير بالضرورة.[١]
والوجهان من حيث الضعف كالسابقين:
أمّا الأوّل: فلأنّ الحياة في البادية ـ خصوصاً يوم ذاك ـ كانت مقرونة بالضيق والمشقّة، وكانت الآبار قليلة والتمكّن من الماء أمراً غير سهل، فكان منع الغير من سقي المواشي ولو ببذل المال، موجباً لتعرّض الأنعام والمواشي للهلاك والدمار; وذلك لأنّ منع السقي كان ملازماً لترك الرعي والانتقال من البادية إلى بادية أُخرى فيكون موجباً لضرر أقوى.
وبذلك يظهر ضعف الوجه الثاني، فإنّ الظاهر لزوم البذل وحرمة المنع، رعاية لمصالح المسلمين إذا انحصر الماء في البادية بماء واحد. وقد أفتى بهذا، الشيخ في «المبسوط» وابن زهرة في «الغنية»، ونقله العلاّمة عن ابن الجنيد في «المختلف». والقول بأنّ النهي مخالف لقاعدة السلطنة ضعيف، لأنّه مخالف لإطلاقه في بعض الأحايين، ولا بعد فيه، كإلزام المحتكر على البيع في عام الضيق، وصاحب الدابة على بذل العلوفة لها، والرجل لعائلته.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا ملك البئر بالإحياء وخرج ماؤها فهو أحقّ بمائها من غيره بقدر حاجته وحاجة ماشيته، وما يفضل عن ذلك يجب عليه بذله لغيره لحاجته إليه للشرب، له ولماشيته. ولايجب عليه بذله لسقي زرعه، بل يستحب له ذلك. ثمّ ذكر أقوال الفقهاء واستدلّ على مختاره بالروايات.[٢]
وقال في «المبسوط»: فكلّ موضع قلنا إنّه يملك البئر فإنّه أحقّ بمائها
[١] مصباح الأُصول:٢/٥٢١ـ ٥٢٢.
[٢] الخلاف:٢/٢٢٤ـ٢٢٥، كتاب إحياء الموات، المسألة ١٣.