فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٨ - استبداد بعض الأولياء بالقصاص آية اللّه السيّد محمود الهاشمي
وهناك رواية ثالثة يمكن الاستدلال بها أيضاً على المشهور ـ وإن لم أجد من استدلّ بها ـ وهي صحيحة زرارة قال : سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل وله أخ في دار الهجرة وله أخ في دار البدو لم يهاجر ، أرأيت إن عفا المهاجريّ وأراد البدويّ أن يقتل ، أله ذلك ؟ فقال : « ليس للبدوي أن يقتل مهاجرياً حتى يهاجر » . قال : وإذا عفا المهاجري فإنّ عفوه جائز ، قلت : فللبدوي من الميراث شيء ؟ قال : « أمّا الميراث فله حظّه من دية أخيه إن اُخذت » (١٨).
وتقريب الاستدلال بها أنّ المستفاد من سؤال زرارة (رحمه الله) أنّه كان يرى عدم سقوط حقّ القصاص بعفو بعض الأولياء وهو الأخ المهاجري في مورد السؤال ، وإنّما استشكل في المقام من جهة كون الأخ الآخر بدوياً بعيداً عن المقتول أو خارجاً عن دار الهجرة والإسلام ، وإلاّ فلو كان يسقط الحقّ بمجرّد عفو بعض الأولياء لم يكن وجه لتوهّم عدم السقوط في المقام بعد فرض عفو الوليّ المهاجري . والإمام (عليه السلام) في مقام الجواب أقرّه على ذلك ، وإنّما نفى الولاية على القصاص للبدوي حتى يهاجر ، بل لعلّ ظاهر هذا التعبير أنّ هذا الأخ البدوي لو هاجر إلى دار الإسلام كان له أن يقتل حتى مع عفو الأخ المهاجري ؛ لأنّ هذا مقتضى التطابق بين السؤال والجواب ، فتدلّ الرواية على عدم سقوط القصاص بعفو بعض الأولياء .
إلاّ أنّ الانصاف أنّ هذا الاستدلال قابل للمناقشة ؛ لأنّ سؤال زرارة يمكن أن يكون عن كلتا الجهتين والحيثيتين والإمام (عليه السلام) أيضاً أجابه عنهما معاً حيث أجاب أوّلاً عن أنّ البدوي لا حقّ له في القصاص ما لم يهاجر وثانياً بأنّ المهاجري إذا عفا فعفوه جائز ، أي نافذ فيسقط القصاص ، ولا أقلّ من إجمال الرواية وعدم وضوح دلالتها على ذلك على أنّ مضمونه ـ وهو التفصيل في حقّ القصاص بين البدوي والمهاجري ـ غريب لم يقل به أحد من الفقهاء ، وقد علّق عليه العلاّمة المجلسي في مرآة العقول بقوله : « لم أر من قال بمضمونه » (١٩).
(١٨)المصدر السابق : ١١٧، ب ٥٥، أبواب قصاص النفس ، ح١ .
(١٩)مرآة العقول ٢٤: ١٧٩، ح٤ .