السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٤٩٦ - باب الغصب
فقال: رددته حيا و مات في يدك، و قال المالك: بل مات في يدك أيّها الغاصب، و أقام كلّ واحد منهما البيّنة بما ادّعاه، عمل على ما نذكره في تقابل البيّنتين، فإن قلنا ان البيّنتين إذا تقابلتا سقطتا، عدنا إلى الأصل و هو بقاء العبد عنده حتى يعلم ردّه، كان قويا هذا آخر كلامه (رحمه الله) [١]، لم يذكر في المسألة غير ما ذكره و حكيناه عنه.
و الذي قوّاه و قال: كان قويا، مذهب الشافعي في تقابل البينتين لا مذهب أصحابنا، و إنّما مذهب أصحابنا بغير خلاف بينهم، الرجوع إلى القرعة لأنّه أمر مشكل، و هذا ليس من ذلك بقبيل، و لا هو منه بسبيل، و لا في هذا إشكال، فنرجع فيه إلى القرعة.
بل مثاله رجل غصب رجلا مالا، فقال الغاصب: رددته، و قال المغصوب منه: ما رددته إليّ، فكان القول قول المغصوب منه مع يمينه، فإن أقام كلّ واحد منهما بينة، سمعت بينة الغاصب، لأنّ لبينته مزية على بينة المغصوب منه، لأنّها تشهد بأمر خفي على بيّنة المالك.
و كذلك من كان له على رجل دين، فقال له: قضيته و خرجت إليك منه، و أنكر من له الدين ذلك، فالقول قوله مع يمينه، فإن أقام كلّ واحد منهما بيّنته، كانت المسموعة بينة القاضي، لأنّها تشهد بشيء قد يخفى على بينة من له الدين، و لا يقول أحد من العلماء انّ مما هنا تستعمل القرعة، و لا يعاد إلى الأصل و تقابل البيّنتين و أنّهما تسقطان.
فهذا تحرير هذه الفتيا و اللّه الموفّق للصواب، و مرضي الجواب.
الذي تقتضيه أخبارنا و أصول مذهبنا، أنّه إذا جنى على عبد جناية تحيط بقيمة العبد، كان بالخيار بين أن يسلّمه إلى الجاني، و يأخذ قيمته، و بين أن
[١] المبسوط: ج ٣، كتاب الغصب،(ص)١٠٥.