السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٤٩ - باب قضاء الدين عن الميّت
قتله عمدا أو خطاء، فإن كان ما عليه محيطا بديته، و كان قد قتل عمدا، لم يكن لأوليائه القود، إلا بعد أن يضمنوا الدين عن صاحبهم، فإن لم يفعلوا ذلك، لم يكن لهم القود على حال، و جاز لهم العفو بمقدار ما يصيبهم، هكذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته [١].
و الذي تقتضيه أصول مذهبنا، و ما عليه إجماع طائفتنا، انّ قتل العمد المحض موجبه القود فحسب، دون التملّك، و اللّه تعالى قال في محكم التنزيل وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [٢] و قال تعالى فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [٣] و لا يرجع عن هذه الأدلة بأخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا.
و الاولى أن يخص ما ورد من الأخبار بقتل الخطإ، لأنّ قتل الخطأ يوجب المال بغير خلاف، دون القود، و كأنّما الميّت خلّف مالا، أو استحق بسببه مال، فيقضي به دينه.
و أمّا قتل العمد المحض، فإنّه يوجب القود، دون المال، فكأن الميّت ما خلّف مالا، و لا يستحق بسببه مال، فإن عفت الورثة و اصطلح القاتل و الورثة على مال، فإنّهم استحقّوه بفعلهم و عفوهم، و في قتل الخطأ ما استحقّوه بعفوهم، بل بسبب الميّت، لأنّهم لا يستحقّون غيره، و في قتل العمد المحض، استحقوا القود، دون المال، فمن أبطله عليهم، و دفعه عنهم، فقد أبطل سلطانهم الذي جعله اللّه لهم، و خالف ظاهر التنزيل، و أبطل القود، إذا لم يؤدوا إلى صاحب الدين الدية، و أسقطوا اللطف الذي هو الزجر في قوله تعالى «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ» لأنّ من علم أنّه يقتل، إذا قتل، كف عن القتل، فحيي [٤] هو و من يريد أن يقتله.
و أيضا فصاحب الدين لا يستحق إلا ما يخلف الميّت من الأموال، و كان
[١] النهاية: باب قضاء الدين عن الميّت.
[٢] البقرة: ١٧٩.
[٣] الاسراء: ٣٣.
[٤] ل.: فيحيي.