السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٢٣٧ - باب آداب التجارة
باد، فلما قال: لباد، دل عليه أنّه لا يكون سمسارا له.
و وجدت بعض المصنّفين، قد ذكر في كتاب له، قال: نهي أن يبيع حاضر لباد، فمعنى هذا النهي، و اللّه أعلم، معلوم في ظاهر الخبر، و هو الحاضر للبادي، يعني متحكما عليه في البيع، بالكرة، أو بالرأي الذي يغلب به عليه، يريه أنّ ذلك نظر له، أو يكون البادي يوليه عرض سلعته، فيبيع دون رأيه، أو ما أشبه ذلك. فأمّا إن دفع البادي سلعته إلى الحاضر، ينشرها للبيع، و يعرضها، و يستقصي ثمنها، ثم يعرفه مبلغ الثمن، فيلي البادي البيع بنفسه، أو يأمر من يلي ذلك له بوكالته، فذلك جائز، و ليس في هذا من ظاهر النهي شيء، لأنّ ظاهر النهي، انّما هو ان يبيع الحاضر للبادي، فإذا باع البادي بنفسه، فليس هذا من ذلك بسبيل، كما يتوهمه من قصر فهمه، هذا آخر الكلام. فأحببت إيراده هاهنا، ليوقف عليه، فإنّه كلام محصّل، سديد في موضعه.
فأمّا المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد، لبيعه السمسار، و يستقصي في ثمنه، و يتربص، فإنّ ذلك جائز، لأنّه لا مانع منه، و ليس كذلك في البادية.
و لا يجوز تلقي الجلب، ليشتري منهم قبل دخولهم البلد، لأنّ النبيّ (عليه السلام) قال: لا يبيع بعضكم على بيع بعض، و لا تلقوا السلع، حتى يهبط بها الأسواق [١].
و روي عنه (عليه السلام) أنّه نهى عن تلقي الجلب، فان تلقى متلقّ فاشتراه، فصاحب السلعة بالخيار، إذا ورد السوق [٢].
فإن تلقى و اشتراه، يكون الشراء صحيحا، لأنّ النبي (عليه السلام) أثبت الخيار للبائع، و الخيار لا يثبت إلا في عقد صحيح، و خياره يكون على الفور مع
[١] أورده في المبسوط: ج ٢، كتاب البيوع، في فصل بيع الغرر،(ص)١٦٠، باختلاف يسير.
[٢] الرواية عامية أوردها في الخلاف في كتاب البيوع ذيل المسألة ٢٨٢، سنن النسائي: كتاب البيوع، التلقي، ج ٧،(ص)٢٥٧ و لفظه هكذا: «لا تلقّوا الجلب، فمن تلقّاه فاشترى منه، فإذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار».