السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٤٨٠ - باب الغصب
باب الغصب
تحريم الغصب معلوم بأدلة العقل، و الكتاب، و السنة، و الإجماع.
فإذا ثبت ذلك، فالأموال على ضربين، ماله مثل، و ما ليس له مثل، فما له مثل، هو الذي يتساوى قيمة أجزائه، مثل الحبوب، و الأدهان، و التمور، و غير ذلك، و الذي لا مثل له، معناه ما لا يتساوى أجزاؤه، أي لا يتساوى قيمة أجزائه.
فمن غصب شيئا له مثل، وجب عليه ردّه بعينه، فإن تلف، فعليه مثله، بدليل قوله تعالى «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» [١] لأنّ المثل يعرف مشاهدة، و القيمة يرجع فيها إلى الاجتهاد، و المعلوم مقدّم على المجتهد فيه، فإن أعوز المثل، أخذت القيمة، فإن لم يقبض القيمة بعد الإعواز حتى مضت مدة اختلفت القيمة فيها، كان له المطالبة بالقيمة وقت الإقباض و حينه، لا حين الإعواز، و إن كان قد حكم بها الحاكم حين الإعواز، لأنّ الذي ثبت في ذمّته المثل، بدليل أنّه متى زال الإعواز قبل القبض طولب بالمثل، و حكم الحاكم بالقيمة لا ينقل المثل إليها، و إذا كان الواجب المثل، اعتبر بدل مثله حين قبض المبدل، و لم ينظر إلى اختلاف القيمة بعد الإعواز و لا قبله.
و إذا غصب مالا مثل له، و معناه ما قدّمناه، كالثياب و الرقيق، و الأخشاب، و الحديد، و الرصاص، و غير ذلك، وجب أيضا ردّه بعينه، فإن تعذر ذلك بتلفه و هلاكه وجبت قيمته، لأنّه لا يمكن الرجوع فيه إلى المثل، لأنّه إن ساواه في القدر، خالفه في الثقل، و إن ساواه فيهما، خالفه من وجه آخر، فإذا تعذرت المثلية، كان الاعتبار بالقيمة، و يحتج على المخالف بما رووه من قوله (عليه السلام):
«من أعتق شقصا من عبد، قوّم عليه» [٢] فأوجب (عليه السلام) القيمة دون المثل.
[١] البقرة: ١٩٤.
[٢] مستدرك الوسائل: الباب ٤٨ من كتاب العتق، ح ٣. لكن لفظه هكذا: عن النبيّ صلّى اللّه.
عليه و آله أنّه قال: من أعتق شقصا من عبد عتق عليه كلّه.