السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٤٠ - باب وجوب قضاء الدين إلى الحيّ و الميت
ربح ماله، و لا تصح المضاربة، لأنّ حقيقتها و موضوعها في الشريعة، أن من العامل العمل، و من رب المال المال، و من عليه الدين، منه المال و العمل جميعا.
فإن قيل: أنتم قد جعلتم من جملة أدلتكم على صحة ما حرّرتموه و اخترتموه، مسألة من كان له على غيره دين، فلا يجوز له أن يجعله معه مضاربة، إلا بعد قبضه و تعيينه له في ملكه، و لا يجوز له قبل ذلك جعله مضاربة، فعلى سياق هذا الاستدلال، و الاعتبار، يلزمكم أن لا تجوزوا بيع الدين على من هو عليه، قبل قبضه و تعيينه في ملك بائعه.
قلنا: لا يلزمنا ذلك، لأنّ بيع خيار الرؤية، لا يحتاج إلا إلى ذكر الجنس، و كونه في ملك البائع، و الوصف له، دون تعيين عينه بالإشارة إليه، و المشاهدة له، و القطع عليه، و ليس كذلك حكم مال المضاربة، لأنّه يجب أن يكون مذكور الجنس معينا، و لا يكفي ذكر الجنس و الصفة، دون تعيينه في الملك، كما كفى ذلك في بيع خيار الرؤية، و إن كان كلّ واحد من المالين، مملوك الجنس، غير متعيّن ملك عينه، و لا يتعيّن ملك عينه، إلا بعد قبضه، فيصح بيعه على من هو عليه، بيع خيار الرؤية، لأنّه مملوك الجنس للبائع، و من هو عليه عالم بصفته، فقام علم من هو عليه به، و بصفته، مقام وصف البائع له، فجمع هذا البيع الأمرين اللذين هما شرط في صحة بيع خيار الرؤية، و هو ذكر الجنس، و علم من هو عليه الذي هو قائم مقام صفته، لأنّ ذكر الصفة في بيع العين الغائبة، يقوم مقام المشاهدة و الرؤية لبيع العين الحاضرة المشاهدة، لأنّا لا نحتاج أن نصف العين المرئية عند البيع، و لا ذلك شرط في صحة العقد عليها، و هو شرط في صحة بيع العين الغائبة مع ذكر جنسها، فلأجل ذلك جوّزنا بيعها على من هي عليه، دون من سواه، لأنّ البيع عليه، بيع خيار الرؤية، لأنّ من شرطه ذكر الجنس و الصفة، فإذا بيع عليه، فقد جمع الأمرين جميعا، و ليس كذلك بيعه على غير من هو عليه، لأنّ أحد الأمرين لا يحصل له، لأنّ صاحبه لا يعلم عينه، حتى يصفها للمشتري،