السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ١٩٧ - باب النوادر في القضاء و الأحكام
هذا آخر كلام شيخنا في مسائل خلافه، في الجزء الثاني [١].
و روى أبو بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إنّ الحاكم إذا أتاه أهل التوراة، و أهل الإنجيل يتحاكمون إليه، كان ذلك إليه، إن شاء حاكم بينهم [٢]، و إن شاء تركهم [٣].
هذا الخبر صحيح، و عليه إجماع أصحابنا من عقد، لأنّ الحاكم بالخيار في ذلك، إن شاء حكم، و إن شاء ترك، و لا يجب عليه الحكم، إلا أنّه إن حكم، فلا يجوز له أن يحكم إلا بما تقتضيه شريعة الإسلام و عدله، و لا يجوز له أن يحكم إلا بالحق، لقوله تعالى وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [٤] و إن شاء أعرض عنهم لقوله تعالى فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ، أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [٥] فقد خيره في ذلك.
و روى طلحة بن زيد، و السكوني جميعا، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليه السلام)، أنّه كان لا يجير كتاب قاض إلى قاض، في حدّ، و لا غيره، حتى وليت بنو أمية، فأجازوا بالبينات [٦].
قوله: فأجازوا بالبينات يريد بذلك، أنّ هذا كتاب فلان القاضي، لا أن [٧] المقصود أجازوا الأحكام بالبيّنات، و قد بيّنا، أنّه لا خلاف بين أصحابنا، سلفهم و خلفهم، بل إجماعهم منعقد، على أنّه لا يجوز كتاب قاض إلى قاض، و لا يعمل به، و لا يحكم، لأنّ ذلك حكم شرعي، يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي.
و أيضا فلا يجوز للحاكم الثاني، و القاضي الثاني، أن يقلد القاضي الأول، بل يجب عليه أن يحكم بالحق، و إقامة البينة، أو الإقرار، و ما ثبت من ذلك عنده، دون ما ثبت عند غيره.
[١] الخلاف: كتاب التفليس مسألة ١٥.
[٢] ج: حكم بينهم.
[٣] الوسائل: الباب ٢٧ من أبواب كيفية الحكم، ح ١.
[٤] المائدة: ٤٧.
[٥] المائدة: ٤٢.
[٦] الوسائل: الباب ٢٨ من أبواب كيفية الحكم، ح ١.
[٧] ج: لأن.