الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٧
و أبخس مما كانت في أوائل فطرها فهي أشد احتياجا و أقوى انجذابا إلى المواد البدنية مما كانت و هذه الشبهة مما أوردها بعض أهل الحكمة و لم يقدر على حلها و الذي أفادنا الله و ألقى في ذهني أن كل نفس و إن كانت في أول تكونها بالقوة في جميع ما لها من الكمالات و الصفات النفسانية الخيالية أو العقلية مع كونها بالفعل صورة و كمالا- لجسم طبيعي مادي و لذلك لم يقم بلا مادة كما قالوه إلا أنها بعد وجودها الطبيعي و في مدة تكونها البدني تكتسب أخلاقا و ملكات شريفة أو خسيسة و آراء و اعتقادات حقة أو باطلة فتصير بالفعل بعد كونها بالقوة في شيء من الحالات النفسانية أما في السعادة الأخروية و ذلك إذا اقتنت ملكات فاضلة و اعتقادات حقة فصارت من جنس الملائكة و الأخيار و انخرطت في سلكهم و أما في الشقاوة الأخروية و ذلك إذا اكتسبت ملكات رذيلة و اعتقادات باطلة فشبهت بالشياطين و الأشرار لأنها من أهل الشر و الفساد- و بالجملة النفوس التي كانت في أول تكونها قابلة محضة في الصفات النفسانية كلها- و متعلقة بالهيولى صارت بحسب اكتساب الصفات المستقرة التي هي الملكات خارجة من القوة إلى الفعل و تصورت بصورة نفسانية باطنية لها نحو آخر من الوجود في نشأة أخرى لأنها في هذه النشأة كاملة بالفعل لأنها صورة و كمال لجسم طبيعي و لا يمكن أن يكون شيء واحد بحسب نشأة واحدة صورة و مادة أو فعلا و قوة أو كمالا و نقصا معا- فحاجة النفس الإنسانية إلى البدن إنما هي من جهة كونها قابلة محضة فيما لها من الصفات الباطنة فإذا خرجت في شيء منها من القوة إلى الفعل و تصورت ذاتها بصورتها الباطنة- لأجل رسوخ تلك الصفة زالت عنها القوة الاستعدادية التي كانت لها فتنفصل عن البدن- و تنفرد بنحو آخر من الوجود الصوري من غير مادة و استعداد و أما النفوس التي غلبت عليها ملكة العلوم الحقة و الأخلاق الفاضلة فتصير محشورة إلى عالم القدس موطن الملائكة المقربين و أما التي غلبت عليها الصفات الشيطانية من الجهل و الغواية و الضلالة فحشرت مع الشياطين أو الشهوية و الغضبية فحشرت مع البهائم و السباع و إليه الإشارة بقوله تعالى وَ جَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الْخَنازِيرَ وَ عَبَدَ الطَّاغُوتَ و قد أشرنا إلى أن خروج النفس من القوة إلى الفعل لا ينافي الشقاوة الأخروية فالنفوس المتمردة الكافرة و الشقية