مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٤٤٨ - المعنى
(١) - جائز أن يكون المعنى عاينوا النار و جائز أن يكونوا عليها و هي تحتهم قال الزجاج و الأجود أن يكون معناه ادخلوها فعرفوا مقدار عذابها كما تقول في الكلام قد وقفت على ما عند فلان تريد قد فهمته و تبينته و هذا و إن كان بلفظ المضي فالمراد به الاستقبال و إنما جاز ذلك لأن كل ما هو كائن يوما مما لم يكن بعد فهو عند الله قد كان و أنشد في مثله:
ستندم إذ يأتي عليك رعيلنا # بأرعن جرار كثير صواهله
فوضع إذ موضع إذا و قد يوضع أيضا إذا موضع إذ كما قال الشاعر:
و ندمان يزيد الكأس طيبا # سقيت إذا تعرضت النجوم
«فَقََالُوا» أي فقال الكفار حين عاينوا العذاب و ندموا على ما فعلوا «يََا لَيْتَنََا نُرَدُّ» إلى الدنيا «وَ لاََ نُكَذِّبَ بِآيََاتِ رَبِّنََا» أي بكتب ربنا و رسله و جميع ما جاءنا من عنده «وَ نَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ» يعني من جملة المؤمنين بآيات الله} «بَلْ بَدََا لَهُمْ مََا كََانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» اختلف فيه على أقوال (أحدها) أن معناه بل بدا لبعضهم من بعض ما كان علماؤهم يخفونه عن جهالهم و ضعفائهم مما في كتبهم فبدأ للضعفاء عنادهم (و ثانيها) أن المراد بل بدا من أعمالهم ما كانوا يخفونه فأظهره الله و شهدت به جوارحهم عن أبي روق (و ثالثها) إن المعنى ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفونه عنهم من أمر البعث و النشور لأن المتصل بهذا و له «وَ قََالُوا إِنْ هِيَ إِلاََّ حَيََاتُنَا اَلدُّنْيََا» الآية عن الزجاج و هو قول الحسن (و رابعها) أن المراد بل بدا لهم وبال ما كانوا يخفونه من الكفر عن المبرد و كل هذه الأقوال بمعنى ظهرت فضيحتهم في الآخرة و تهتكت أستارهم «وَ لَوْ رُدُّوا لَعََادُوا لِمََا نُهُوا عَنْهُ» أي لو ردوا إلى الدنيا و إلى حال التكليف كما طلبوه لعادوا إلى ما نهوا عنه من الكفر و التكذيب «وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ» و يسأل على هذا فيقال إن التمني كيف يصح فيه الكذب و إنما يقع الكذب في الخبر و الجواب أن من الناس من حمل الكلام كله على وجه التمني و صرف الكذب إلى غير الأمر الذي تمنوه و قال إن معناه هم كاذبون فيما يخبرون به عن أنفسهم في الدنيا من الإصابة و اعتقاد الحق أو يكون المعنى إنهم كاذبون أن خبروا عن أنفسهم بأنهم متى ردوا آمنوا و إن كان ما حكي عنهم من التمني ليس بخبر و قد يجوز أن يحمل على غير الكذب الحقيقي بأن