مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٧٦٦ - المعنى
(١) - بالربوبية كما روي أنهم ولدوا على الفطرة و حكى أبو الهذيل في كتاب الحجة أن الحسن البصري و أصحابه كانوا يذهبون إلى أن نعيم الأطفال في الجنة ثواب عن الإيمان في الذر (و ثانيها) أن المراد بالآية أن الله سبحانه أخرج بني آدم من أصلاب آبائهم إلى أرحام أمهاتهم ثم رقاهم درجة بعد درجة و علقة ثم مضغة ثم أنشأ كلا منهم بشرا سويا ثم حيا مكلفا و أراهم آثار صنعه و مكنهم من معرفة دلائله حتى كأنه أشهدهم و قال لهم أ لست بربكم فقالوا بلى هذا يكون معنى أشهدهم على أنفسهم دلهم بخلقه على توحيده و إنما أشهدهم على أنفسهم بذلك لما جعل في عقولهم من الأدلة الدالة على وحدانيته و ركب فيهم من عجائب خلقه و غرائب صنعته و في غيرهم فكأنه سبحانه بمنزلة المشهد لهم على أنفسهم فكانوا في مشاهدة ذلك و ظهوره فيهم على الوجه الذي أراده الله و تعذر امتناعهم منه بمنزلة المعترف المقر و إن لم يكن هناك إشهاد صورة و حقيقة و نظير ذلك قوله تعالى فَقََالَ لَهََا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيََا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قََالَتََا أَتَيْنََا طََائِعِينَ و إن لم يكن منه سبحانه قول و لا منهما جواب و مثله قوله تعالى شََاهِدِينَ عَلىََ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ و معلوم أن الكفار لم يعترفوا بالكفر بألسنتهم لكنه لما ظهر منهم ظهورا لا يتمكنون من دفعه فكأنهم اعترفوا به و مثله في الشعر:
و قالت له العينان سمعا و طاعة # و حدرتا كالدر لما يثقب
و كما يقول القائل جوارحي تشهد بنعمتك و كما روي عن بعض الخطباء من قوله سل الأرض من شق أنهارك و غرس أشجارك و أينع ثمارك فإن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا و مثله كثير في كلام العرب و أشعارهم و نظمهم و نثرهم و هو قول الرماني و أبي مسلم و ابن الإخشيد (و ثالثها) أنه تعالى إنما عنى بذلك جماعة من ذرية آدم خلقهم و أكمل عقولهم و قررهم على ألسن رسله (ع) بمعرفته و بما يجب من طاعته فأقروا بذلك و أشهدهم على أنفسهم به لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل فقلدناهم في ذلك فنبه سبحانه على أنه لا يعاقب من له عذر رحمة منه لخلقه و كرما و هذا يكون في قوم خاص من بني آدم و لا يدخل جميعهم فيه لأن المؤمن لا يدخل فيه لأنه بين أن هؤلاء المأخوذ ميثاقهم كان لهم سلف في الشرك و لأن ولد آدم لصلبه لم يؤخذوا من ظهور بني آدم فقد خرجوا من ذلك و هذا اختيار الجبائي و القاضي و قوله «شَهِدْنََا» حكاية عن قول