مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٧٤٧ - المعنى
(١) - «أَشََاءُ» و الوجه فيه ظاهر.
المعنى
هذا تمام ما قاله موسى في دعائه «وَ اُكْتُبْ لَنََا فِي هََذِهِ اَلدُّنْيََا حَسَنَةً» سأل الله سبحانه أن يكتب لهم الحسنة في الدنيا و هي النعمة و إنما سميت النعمة حسنة و إن كانت الحسنة اسم الطاعة لله لأمرين (أحدهما) أن النعمة تتقبلها النفس كما أن الطاعة يتقبلها العقل و الآخر أنها ثمرة الطاعة لله و إنما ذكر بلفظ الكتابة و لم يقل و اجعل لنا أو أوجب لنا لأن الكتابة أثبت و أدوم يقال كتب رزق فلان في الديوان فيدل ذلك على دوامه و ثبوته على مرور الأزمان «وَ فِي اَلْآخِرَةِ» معناه و اكتب لنا في الآخرة حسنة أيضا كما في قوله «رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً» و قيل الحسنة في الدنيا الثناء الجميل و في الآخرة الرفعة و قيل هي في الدنيا التوفيق للأعمال الصالحة و في الآخرة المغفرة و الجنة «إِنََّا هُدْنََا إِلَيْكَ» أي رجعنا بتوبتنا إليك و الهود الرجوع «قََالَ» الله تعالى مجيبا لموسى (ع) «عَذََابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشََاءُ» ممن عصاني و استحقه بعصيانه و إنما علقه بالمشيئة لجواز الغفران في العقل «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» قال الحسن و قتادة إن رحمته في الدنيا وسعت البر و الفاجر و هي يوم القيامة للمتقين خاصةو قال عطية العوفي وسعت كل شيء و لكن لا تجب إلا للذين يتقون و ذلك أن الكافر يرزق و يدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن فيعيش فيها فإذا صار في الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه و قيل معناه أنها تسع كل شيء إن دخلوها فلو دخل الجميع فيها لوسعتهم إلا أن فيهم من لا يدخل فيها لضلالة و في الحديث إن النبي ص قام في الصلاة فقال أعرابي و هو في الصلاة اللهم ارحمني و محمدا و لا ترحم معنا أحدا فلما سلم رسول الله ص قال للأعرابي لقد تحجرت واسعا يريد رحمة الله عز و جل أورده البخاري في الصحيح
«فَسَأَكْتُبُهََا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» أي فسأوجب رحمتي للذين يتقون الشرك أي يجتنبونه و قيل يجتنبون الكبائر و المعاصي «وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ» أي يخرجون زكاة أموالهم لأنهم من أشق الفرائض و قيل معناه و يطيعون الله و رسوله عن ابن عباس و الحسن و إنما ذهبا إلى تزكية النفس و تطهيرها «وَ اَلَّذِينَ هُمْ بِآيََاتِنََا يُؤْمِنُونَ» أي بحججنا و بيناتنا يصدقون و روي عن ابن عباس و قتادة و ابن جريج إنها لما نزلت «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» قال إبليس أنا من ذلك الشيء فنزعها الله من إبليس بقوله «فَسَأَكْتُبُهََا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» إلى آخر الآية فقال اليهود و النصارى نحن نتقي و نؤتي الزكاة و نؤمن بآيات ربنا فنزعها منهم و جعلها لهذه الأمة بقوله «اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ » الآية.