مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٥٥٦ - المعنى
(١) - غاية يضرب به المثل فيها و إنما سمى الله تعالى الكافر ميتا لأنه لا ينتفع بحياته و لا ينتفع غيره بحياته فهو أسوء حالا من الميت إذ لا يوجد من الميت ما يعاقب عليه و لا يتضرر غيره به و سمي المؤمن حيا لأن له و لغيره المصلحة و المنفعة في حياته و كذلك سمي الكافر ميتا و المؤمن حيا في عدة مواضع مثل قوله «إِنَّكَ لاََ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىََ» * و «لِيُنْذِرَ مَنْ كََانَ حَيًّا» و قوله «وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَحْيََاءُ وَ لاَ اَلْأَمْوََاتُ» و سمي القرآن و الإيمان و العلم نورا لأن الناس يبصرون بذلك و يهتدون به من ظلمات الكفر و حيرة الضلالة كما يهتدي بسائر الأنوار و سمي الكفر ظلمة لأن الكافر لا يهتدي بهداه و لا يبصر أمر رشده و هذا كما سمي الكافر أعمى في قوله «أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ اَلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمىََ» و قوله «وَ مََا يَسْتَوِي اَلْأَعْمىََ وَ اَلْبَصِيرُ» * «كَذََلِكَ زُيِّنَ لِلْكََافِرِينَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ» وجه التشبيه بالكافر أن معناه زين لهؤلاء الكفر فعملوه مثل ما زين لأولئك الإيمان فعملوه فشبه حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه كما قال سبحانه كُلُّ حِزْبٍ بِمََا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ* و روي عن الحسن أنه قال زينه و الله لهم الشيطان و أنفسهم و استدل بقوله «وَ إِنَّ اَلشَّيََاطِينَ لَيُوحُونَ إِلىََ أَوْلِيََائِهِمْ» و قوله «زُيِّنَ» لا يقتضي مزينا غيرهم لأنه بمنزلة قوله تعالى «أَنََّى يُصْرَفُونَ» و «أَنََّى يُؤْفَكُونَ» و قول العرب أعجب فلان بنفسه و أولع بكذا و مثله كثير «وَ كَذََلِكَ جَعَلْنََا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكََابِرَ» أي مثل ذلك الذي قصصنا عليك زين للكافرين عملهم و مثل ذلك جعلنا في كل قرية أكابر «مُجْرِمِيهََا» و جعلنا ذا المكر من المجرمين كما جعلنا ذا النور من المؤمنين فكل ما فعلنا بهؤلاء فعلنا بأولئك إلا أن أولئك اهتدوا بحسن اختيارهم و هؤلاء ضلوا بسوء اختيارهم لأن في كل واحد منهما الجعل بمعنى الصيرورة إلا أن الأول باللطف و الثاني بالتمكين من المكر و إنما خص أكابر المجرمين بذلك دون الأصاغر لأنه أليق بالاقتدار على الجميع لأن الأكابر إذا كانوا في قبضة القادر فالأصاغر بذلك أجدر و اللام في قوله «لِيَمْكُرُوا فِيهََا» لام العاقبة و يسمى لام الصيرورة كما في قوله سبحانه «لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» و كما قال الشاعر:
فأقسم لو قتلوا مالكا # لكنت لهم حية راصدة
و أم سماك فلا تجزعي # فللموت ما تلد الوالدة
«وَ مََا يَمْكُرُونَ إِلاََّ بِأَنْفُسِهِمْ وَ مََا يَشْعُرُونَ» لأن عقاب ذلك يحل بهم و لا يصح أن يمكر الإنسان بنفسه على الحقيقة لأنه لا يصح أن يخفي عن نفسه معنى ما يحتال به عليها و يصح أن يخفي ذلك عن غيره و فائدة الآية أن أكابر مجرميها لم يمكروا بالمؤمنين على وجه