بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٧ - الاعتراض الثالث
- النار محرقة- و هذا كاشف و برهان على أن تميّز المعنى الحرفي عن المعنى الاسمي، ليس بمجرد اللحاظ الآلي و الاندكاكي، بل بأمر ذاتي أعمق من ذلك.
و هذا الاعتراض كذلك لا يمكن المساعدة عليه، و توضيح ذلك: إنّ اللحاظ الفنائي و الآلي له معنيان:
المعنى الأول: لحاظ العنوان فانيا في معنونه، و لحاظ المفهوم فانيا في واقعه، و هذا نحو من اللحاظ الإفنائي، فيقال مثلا في- النار محرقة- إنّ مفهوم النار ملحوظ باللحاظ الفنائي و الآلي بما هو فان في معنونه الخارجي، و هذا الفناء مرجعه إلى هذا المطلب، و هو أن الإنسان عند ما يقول- النار محرقة- لا يريد أن يحكم على النار الموجودة في ذهنه بما هي صورة ذهنية بأنها محرقة، لأن هذه النار الموجودة في ذهنه ليست محرقة أصلا، و إلّا لاحترق ذهنه، و إنما الإحراق صفة النار الخارجية، يعني صفة المعنون فلا محالة أن يحضر هذه الصورة الذهنية لمفهوم النار، و يلحظها بما هي فانية، و مرآة للمعنون الخارجي حتى يصح هذا الحكم، إذ لو لا هذا الإفناء، و هذه الآلية، لما صحّ هذا الحكم. فهذا الإفناء و هذه الآلية بهذا المعنى واضح.
و لكن ما هي حقيقة هذا الإفناء، يعني ما هي حقيقة ملاحظة هذه العناوين فانية في معنوناتها، ملاحظة النار فانية في معنونها الخارجي؟.
إذ من الواضح أنه لا يوجد في الذهن عملية إفناء حقيقة و عملية استهلاك حقيقة، بحيث يكون في الذهن شيئان: العنوان و المعنون، مفهوم النار و واقع النار، كلاهما في الذهن يندك أحدهما في الآخر، ليس هكذا، إذ من الواضح أن المعنون الخارجي لا يعقل وجوده في الذهن أصلا، فليس في الذهن شيئان بل شيء واحد، و هو الصورة الذهنية للمفهوم.
و هذه الصورة الذهنية للمفهوم، إن كانت موجودة فلا فناء و إن كانت قد استهلكت و غفل عنها، فلا يبقى شيء عند الذهن ليلحظه، فلا يوجد في الذهن