بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٩٤ - الاعتراض الثاني
الاعتراض الثاني: [١]
هو إنه لو كان لا يوجد فرق ذاتي بين المعنى الاسمي، و المعنى الحرفي، بحيث يكون معناهما واحدا، و إنما الفرق بينهما باللحاظ الآلي و الاستقلالي، للزم [٢] جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر، و لو بنحو المجاز، بأن نستعمل (من) في موضع الابتداء و (إلى) في موضع الانتهاء، و كذلك العكس.
أمّا بناء على أنّ اللحاظ الآلي و اللحاظ الاستقلالي، مأخوذا قيدا في المعنى الموضوع له، فجواز استعمال لفظة (من) في الابتداء الاستقلالي، و لفظة (الابتداء) في الابتداء الآلي، لا يخلو من تصرف في المعنى الموضوع له، فليكن هذا التصرف من باب المجاز، فيكون استعمالا فيما هو قريب من المعنى الموضوع له لأن (من) و إن كانت موضوعة للابتداء الآلي لكن بالتالي الابتداء الاستقلالي قريب من الابتداء الآلي، فكلاهما يشتركان في أصل الابتداء، فلما ذا لا يجوز الاستعمال مجازا؟!.
و أمّا بناء على مسلك صاحب (الكفاية) من أنّ اللحاظ الآلي و اللحاظ الاستقلالي، مأخوذان قيدا في الوضع نفسه لا في المعنى الموضوع له، فهنا المجاز إذن أصح و أوضح، لأنه لا يوجد أي تصرف في المعنى الموضوع له.
فلفظة (من) حينما نستعملها في مورد الإسم فقد استعملناها في شخص ما وضع له بلا تصرف، إذن فليعامل مع هذا معاملة المجاز، إذ ليس استعمال اللفظ في ما وضع له نفسه، لكن مع التأويل أسوأ من استعمال اللفظ في غير ذات ما وضع له. فإذا صح استعمال لفظة (أسد) في الرجل الشجاع مجازا، مع أن الرجل الشجاع مباين مع المعنى الموضوع له، فكيف لا يصح في المقام استعمال لفظة (من) في معنى الابتداء مع أنه لا تباين ذاتي فيما بينهما؟.
[١] بدائع الأفكار/ الآملي: ١/ ٥٤.
[٢] فوائد الأصول: ١/ ١٨ محاضرات فياض: ١/ ٥٧.