بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٤ - الوجه الثاني
و قصدية من قبل الواضع التكويني، لا يكون هذا الوضع دالّا على أن هذا العلم كاشف على رأس الفرسخ، و إنما يكشف على أن هنا رأس الفرسخ، لو انضم إلى الوضع الخارجي عناية و أمر آخر نفساني.
و بهذا تبين: إنّ الوضع الخارجي بمجرده، لا يكون كافيا لإيجاد دلالة الموضوع على الموضوع عليه، فكيف يكون اعتباره كافيا لذلك؟ فإن الشيء بوجوده الخارجي إذا لم يكن دالّا، فكيف يكون دالّا بوجوده الاعتباري ما لم ينضم إليه تلك النكتة الإضافية؟ و نحن بحاجة لمعرفة تلك النكتة الإضافية و إبرازها، و ما لم نبرز تلك النكتة و نضمها إلى الوضع الخارجي، لا يمكن القول بأن الوضع الخارجي بمجرده تحصل الدلالة.
و إن شئتم قلتم: إنّ إيجاد الشيء بالاعتبار لا يمكن أن يترتب عليه أثر في المقام، إلّا أن وجوده الحقيقي يكون منشأ لذلك الأثر، و في المقام، الوضع بوجوده الحقيقي، ما لم ينضم إليه نكتة، لا يكون منشأ للدلالة. إذن فاعتباره أيضا ما لم ينضم إليه نكتة، لا يكون منشأ للدلالة، فلا بد من صرف عنان الكلام إلى بيان تلك النكتة. هذا هو الجواب عن الوجه الأول في المقام.
الوجه الثاني:
الوجه الثاني من وجوه تصوير هذا المسلك هو أن يقال: بأن الوضع هو عبارة عن الاعتبار، و المعتبر هو كون اللفظ عين المعنى، و كون اللفظ وجودا للمعنى، فكأن الواضع حينما يلتفت إلى اللفظ و المعنى، فهو يرى المغايرة بينهما، لأنّ الحيوان المفترس شيء، و لفظة- أ- س- د- شيء آخر، فهو مغاير و مباين لتمام المعنى، و المباين لا يكون دالّا على مباينة.
و من أجل أن يوجد دلالة اللفظ على المعنى، يعتبر أن اللفظ وجود للمعنى، فإذا اعتبر كون اللفظ وجودا للمعنى، فحينئذ يكون اللفظ بواسطة كونه وجودا للمعنى بالاعتبار، دالّا على المعنى، لأنه بهذا الاعتبار هو نفسه و عينه. و من المعلوم حينئذ أنه إذا كان اللفظ نفس المعنى، فيمكن للفظ أن