بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٨٩ - تحقيق الكلام في الحيثية الأولى
ففي الحالة الأولى: الاقتران يوجب الانتقال التصديقي من أحدهما إلى الآخر.
و في الحالة الثانية: غاية ما يوجبه القرن بينهما هو الملازمة بين التصورين، بحيث ينتقل من أحد التصورين إلى التصور الآخر، و لا يعقل أن يكون هذا الانتقال إلّا انتقالا تصوريا، لأنه فرع الملازمة، و الملازمة قائمة هنا بين التصورين، فينتقل من تصور إلى تصور آخر.
إذن فالانتقال إما أن يكون بلحاظ القرن بين الوجودين الخارجيين فيكون تصديقيا، و إما بلحاظ القرن بين التصورين فيكون تصوريا. و عليه ففي محل الكلام إذا فرض أن الواضع قرن بين وجود اللفظ و وجود الإرادة، و جعل ملازمة بينهما، فيكون الانتقال تصديقيا كالانتقال من النار إلى الحرارة، إلّا أن هذا خلف، لأننا نتكلم بناء على مسلك الاعتبار، و إن قرن الواضع بينهما بلحاظ الصورتين الذهنيتين، فيستحيل أن يكون هذا القرن موجبا إلّا للملازمة في عالم التصور، و تلك الملازمة لا توجب إلّا الانتقال من تصور إلى تصور.
و أمّا أن هذا التصور هل هو مطابق للواقع أو ليس مطابقا للواقع؟ فهذا ليس في عهدة القرن و الوضع، بل هو في عهدة شيء آخر.
إذن فالاحتمال الثالث في نفسه غير معقول بناء على مسلك الاعتبار، و إنما المعقول بناء عليه، هو أحد الاحتمالين الأولين، و هو أن يكون المأخوذ في المعنى مفهوم الإرادة بوجه كلي أو بوجه جزئي، و لا تتغير الدلالة من تصورية إلى تصديقية، فالانتقال إلى السائل المقيّد انتقال تصوري. فكما لا يكشف مثل هذا الانتقال التصوري تصديقا عن وجود السائل في الخارج، كذلك لا يكشف تصديقا عن وجود الإرادة خارجا. فحال القيد هو حال المقيّد، و الدلالة دلالة تصورية محضة. و هذا لا ينافي القول بوجود دلالة تصديقية، لكن ليس منشؤها هو الوضع، بل إمارة حالية و هي إمارة الغلبة، و ذلك لأن الغالب في حال تكلم العاقل بكلام موضوع لمعنى أن يقصد تفهيم