الشيعة: نص الحوار مع المستشرق كوربان - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٣١ - مقدّمة المحرّر
لم ينهض الامام في وجه الذين سلبوه حقه. و لم يكن عدم نهضته بداعي الاضطرار، و انما كان موقفه هذا ينمّ عن عمل مخطّط و محسوب بدقّة.
و اذا كان الامام لا يخشى الموت، فلما ذا لم ينهض اذن؟و هل كان الأمر يعدو أن يقتل، و القتل في سبيل اللّه غاية أمانيه، و هو الأنس بالشهادة من الرضيع بثدي أمّه؟
عند ما نظر الامام الى الموقف، قاده التدبير الصحيح الى مصلحة الاسلام.
لذلك ترك المواجهة في اطار تلك الأوضاع-غير المساعدة-و اختار التعاون مع الوضع القائم، كما صرّح بذلك مرارا.
ففي احدى كتبه الى مالك الاشتر (الكتاب ٦٢ من كتب النهج) يكتب (عليه السلام) : «فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام، يدعون الى محق دين محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فخشيت ان لم انصر الاسلام و اهله، أن ارى فيه ثلما أو هدما، تكون المصيبة به عليّ اعظم من فوت ولايتكم التي انما هي متاع ايام قلائل» [١] .
و بعد أن مضى الامام امير المؤمنين (عليه السلام) الى ربّه شهيدا، وضع ائمتنا الآخرون مصالح المسلمين العليا نصب اعينهم، و رجّحوا مصلحة المجتمعات الاسلامية على ما سواها، حتى بلغ بهم الايثار بالنفس و الفداء حدا دفعهم الى إبرام عهد الصلح مع معارضيهم و الغاصبين لحقهم، و قبلوا ولاية العهد، عسى ان تتاح لهم الفرصة لإحقاق الحق، أو أن لا يسمحوا-على الاقل-للبنيان الرسالي ان يهتزّ امام
[١] يراجع نص ما كتبه مطهري في يادنامهء علامه اميني (بالفارسية) . مؤسسة الرسالة-قم ص ٢٣٦-٢٣٧.