الشيعة: نص الحوار مع المستشرق كوربان - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٠ - مقدّمة المترجم
ذلك-كما تشيع المدرسة الاستشراقية و من تابع نهجها من الباحثين المسلمين-هو عزوف المسلمين عن البحث الفلسفي أصلا؟فما كان من الاستاذ الطباطبائي إلاّ أن يستثمر الفرصة، ليقوم بتحليل منهجي لنظام الاستشراق الفكري، حيث أشار بشكل مبكر الى الدوافع المستحكمة في بنيته كالسلطة و التفوّق، و النزوع الى إلغاء العوالم و الثقافات الأخرى تحت ذريعة العالمية، و هو الموضوع الذي عاد إليه فيما بعد الباحث الفلسطينيّ (ادوارد سعيد) في كتابه (الاستشراق) ، و غيره من الباحثين الذين توفّروا على تحليل بنية الاستشراق، و الكشف عن دوافعه التي يتخفى عليها وراء البحث المعرفي.
و من الاشارات المنهجية التي تحتاج الى المزيد من التمعّن هي كيفية مناقشته لسؤال كوربان عن قدرة الاطروحة الاسلامية على المواكبة و السير قدما بعملية التغيير و البناء الاجتماعي، رغم ثبات الأصول و طائفة من الاحكام الاسلامية التي يطلق عليها عنوان الشريعة.
لم ينكر الطباطبائي-في سياق إجابته-ثبات الشريعة (مجموع الاحكام الالهية النازلة من اللّه سبحانه، و هي التي لا مجال لتغييرها أبدا و مطلقا) كما لم يرفض حركة التطوّر الاجتماعي، و لكنّه قام؛ الى جوار المنظور التقليدي المتمثّل بالإحالة الى الاجتهاد و ما توفّره نافذة المجتهد من مرونة تعطي للإسلام القدرة على المواكبة و المعاصرة؛ قام بتحليل بنية المجتمع البشري، و دقّق في حقيقة التغيير و التطوّر الاجتماعي، و تساءل؛ فيما اذا كان هذا التطوّر يقتضي-فعلا و بشكل مطلق -الابتعاد عن أحكام الاسلام و أصوله الثابتة، أم أنّ هناك في التكوين الاجتماعي نفسه، بنى ثابتة أيضا تشكّل العناصر المشتركة لتأريخ البشر على مرّ العصور؟