التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٩ - لمحة تاريخية
جيم: اصدار الحكم (او الفتوى) وابلاغه المراجع المعنية، وهكذا يولد الحكم من ازدواج عاملين، معرفة المتغيرات، ومعرفة الثوابت بدقة كافية، ولكن يا ترى كيف نضمن دقة هذه المعرفة؟
لمحة تاريخية:
وكيف نعرف اخلاص الذي يصدر الحكم؟
وما هي محددات التطوير في التشريع، وكيف نميزها عن الاهواء المتقلية؟
دعنا قبل الخوض في هذه الموضوعات الهامة نستعرض تاريخها، وما هي النعطفات التي مر بنا الصراع بين الثابت والمتغير.
كلما جنح المجتمع الى الاستقرار والسلم، ازدادت حاجته الى القوانين، فاعتمد الفلاسفة والحكماء فيه على النصوص الدستورية والتزموا بحرفيتها، واذا عرضت لهم حاجة الى التطوير انتزعوه من ضمير النصوص وطوروها بطريقة تتلاءم مع تلك الحاجة، دون ان يمسوا النصوص ذاتها بيد التغيير الجذري.
ولكن حينما كانت تعصف بالمجتمعات رياح الثورة، التي تحمل معها تغييرات واسعة واساسية، اتت هذه الرياح على ذات النصوص القانونية وحاولت اقتلاعها، هنالك بحث الفقهاء عن اسس جديدة للتشريع، وعادة اعتمدوا ما يسمى عندهم بالقانون الطبيعي، اي بذلك القانون المثالي الذي اختزنته الطبيعة لهم، لكي يستلهموا منه في وضع قوانينهم الارضية.
وبتعبير اخر عن تلك المبادئ الثابتة التي تصلح لكل زمان ومكان، وكانت الفلسفة القانونية رائدهم في هذا البحث يقول باوند:
كان القانون الطبيعي نظرية فلسفية لفترة النمو والتطور ولقد نشأت هذه الفلسفة لمواجهة (اي استجابة) لمتطلبات مرحلة الانصاف والقانون الطبيعي، وهي فترة من اكثر فترات تاريخ القانون اصالة وابداعا. [١]
وهكذا مر الصراع بين الثابت والمتغير لمنعطفات هامة حسب الظروف الموضوعية الخارجية .. وكان القانون اول حقل علمي يتفاعل مع حالات الناس اليس القانون قلب المجتمع وصبغته وصورته الخارجية.
[١] - المصدر ص ٢٣