التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٤ - غرباء عن انفسهم
تجلى فيها عقله وسمى به الى ذروة الوعي، حيث عاد الى وطن نفسه بعد غربة متمادية، فعرف افاقها، واكتشف كنوزها، وتحرر من قيودها وحطم اصنامها المتمثلة في تقديس الغابرين، وتقليد الاخرين، وتطلع الى حيث الحقيقة المشهودة له بلا حجاب.
وليس ما نجده اليوم من حضارات بشرية شامخة نفتخر بها، او تقدم علمي عظيم ننعم بخيراته، الا ببركة تلك التجليات حيث انتفض العقل في بعض الناس، وفي بعض الحالات فقط.
اما في الحالات الاخرى فان الناس- اكثر الناس- تراهم في غيبة من عقولهم فماذا كانوا يفعلون؟
انما كانوا يتبعون الاخرين، اتباع الفصيل لأمه، فربما قلدوا السلف، وربما اطاعوا الكبراء، او انبهروا بتقدم الاخرين وغلبهم، فذابوا فيهم كما ذابت حبة الملح في محيط هائج.
ان نزعة الاتباع مغروزة في البشر، لا يكاد يتحرر منها، وان الخشية من عواقب التمرد، والهيبة من اقتحام المجهول، لتؤكدان فيه هذه النزعة.
والنفس الأمارة بالسوء. والشيطان الغوي يزينان للإنسان سلبياته ويبرران له تخلفه، وطاعته للجبت والطاغوت. وهكذا يعيش الانسان في نسيج من الافكار التبريرية. الاعذار والتسولات ويصبح الانسان خصيما مبينا، كما يكون اكثر شيئا جدلا.
من ذلك افتراءه على ربه كذبا، فتراه يحرم بهواه على نفسه ما يخشاه او يهابه، وكذلك تجده يقدس تراث اباءه، وتقاليدهم، ويرى الخروج عليها هرطقة وكفرا.
هكذا يسمي هيبته من افتحام غمار الحياة، حكمة وتقوى، واحتياطا وحذرا.
لذلك فان الشعوب المتخلفة يهتمون بالحرام اكثر من اهتمامهم بالواجب وسلسلة المحظورات عندهم اعرض من قائمة الفرائض، وهم يميلون الى التوقف، لا الإقدام والى الجمود لا الكدح والعمل لأنهم لا يثقون بانفسهم، وانى لهم الثقة بها وهم لم يستثيروا عقولهم ومن لم يكتشفوا كنوز انفسهم وقدراتها، ولم يتمتعوا بلذة التحرر والانطلاق.