التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٠ - الكتاب و السنة
(الثاني) ان الله تعالى احل من المشروبات ماليس بمسكر كالماء و اللبن و العسل و اشباهها، وحرم الخمر من المشروبات لما فيها من ازالة العقل الموقع للعدواة و البغضاء. و الصد عن ذكر الله و عن الصلاة. فوقع فيما بين الاصلين ما ليس بمسكر حقيقة، ولكنه يوشك ان يسكر، هو نبيذ الدباء والمزفت و النقير و غيرها فنهى عنها الحاقا لها بالمسكرات تحقيقا، سدا للذريعة، ثم رجع الى تحقيق الامر في ان الاصل الاباحة كالماء و العسل، فقال عليه الصلاة و السلام: (كنت [١] نهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا و كل مسكر حرام [٢]) وبقى في قليل العسكر على الاصل من التحريم، فبين أن (ما أسكر كثيره فقليله حرام) وكذلك نهى عن الخليطين للمعنى الذي نهى من اجله عن الانتباذ في الدباء و المزفت و غيرهما. فهذا ونحوه دائر في المعنى بين الاصلين، فكان البيان من رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- يعين مادار بينها الى أي جهة يضاف من الاصلين.
كذلك قال الشاطبي: و على افتراض من القول بأن النبيذ ليس بمسكر و بالتالي انه حلال، يجوز لنا ان نقول: ان المراد من الخمر في النص لالقرآنى كل مسكرولو بقرينة علة تحريمها، فيكون الحاق النبيذ بها (باعتباره مسكرا) او أي مسكر اخر من باب رد الفرغ الى الاصل.
واضاف الشاطبي مثلا ثالثا فقال:
و (الثالث) ان الله اباح من صيد الجارح المعلم ما امسك عليك، و علم من ذلك ان ما لم يكن معلما فصيده حرام، اذ لم يمسك الإ على نفسه، فدار بين الاصلين ما كان معلما ولكنه اكل من صيده. فالتعليم يقتضي انه امسك عليك و الاكل يقتضى انه اصطاد لنفسه لا لك،
فتعارض الاصلان، فجاءت السنة ببيان ذلك، فقال- عليه الصلاة و السلام-: (فان اكل فلا تأكل، فاني اخاف ان يكون انما امسكه على
[١] - تحريم الانتباذ في هذه الاوعية سد للذريعة، وفطام لهم عن المسكر واوعيته اذ كانوا حديثي عهد بشر به فلما استقر تحريمه عندهم واطمأنت اليه نفوسهم وشكوا من ضيق الامر عليهم بمنع هذه الاواني التي لا مندوحة لهم عنها اباح لهم الاوعية كلها غير (شرط) الا يشربوا مسكرا، فقد رجح جانب التحريم حيث قام مقتضيه (فلما زال المقتضى رجح جانب الحل الذي هو الاصل، وسواء اقلنا ان ذلك بوحي ام باجتهاد، فالكل بيانه صلى الله عليه وآله- ..
[٢] - الحديث بهذا اللفظ لم اقف عليه وفي التيسير حديث بمعناه عن الخمسة الا البخاري ..