التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٧ - الشريعة بين الحروف والحقائق
هنالك تغرق الديانة، في سلسلة من التشريعات الانطوائية، التي تبعد اصحابها عن طيبات الحياة، وبالتالي عن الجهد من أجلها، وتلك نهاية الحضارات الدينية.
وحتى الحضارات التي انبثقت من ثقافة ارضية، تتحول مع الزمن الى اغلال، يرسف فيها، الذين يفسرون نصوصها بما يتوافق وروحهم الانطوائية البعيدة عن التحدي والانطلاق.
وباختصار، اننا نجد عند الشعوب المتخلفة ميلا نفسيا الى الانطواء، يتنامى بينهم عندما ينحسر عنهم الروح، وان كثيرا من التشريعات التي اضافها السابقون الى الدين الاسلامي هو من هذا القبيل.
الشريعة بين الحروف والحقائق:
كما هو معروف لمن رافقنا في دراستنا حتى الان تهدف احكام الشريعة تحقيق قيم سامية هي روحها ولبابها وحقائقها.
وعندما تعيش الامة او عناصر منها عنفوان الروح، فانهم يسلكون الى الحقائق طريق الاحكام، ويهتمون بمعاني الشريعة من خلال التزامهم بحدودها، يقيمون الصلاة اقامة ليس فقط بتلاوة آياتها وسبحاتها، واداء ركوعها وسجودها، وانما ايضا بالخشوع فيها، والاخبات بها، وتمثل روحها في حياتهم.
والزكاة طهارة لقلوبهم من الشح، والحج ذكر الله ذكرا كثيرا يصبغ حياتهم بصبغة التوحيد.
وهكذا سائر شرائع الاسلام يؤدونها كما انزلها بحدودها وحقائقها.
بينما الجيل المتخلف الذي يأتي من بعدهم، يضيع الصلاة، ويتبع الشهوات، فتراه يزداد اهتماما بحروف الاحكام، وحدود الشرائع، دون معانيها وحقائقها وقيمها.
وكلما ازداد عن المعاني بعدا التصق بالحروف، وجلعها هدفا لا وسيلة، فاذا صلى كان همه الإفصاح عن كلمات التلاوة، اكثر من اخبات قلبه بها، بل قد يكون ذلك، تعويضا عن ذلك، او تدري لماذا يزداد تمسك البعض بالحدود والحروف وربما القشور والهامشيات كلما ابتعد عن القيم والمعاني؟ انما للسبب التالي: