التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٤ - موقف القران من السلف الصالح
مثلا لو انني لا حظت عند بعض الفقهاء السابقين منهجا يدعوهم الى التشدد في امر الدين، والاحتياط في آرائه الفقهية، و الميل نحو تلك الادلة التي تتناسب و هذا المنهج، فهو يغلب عادة جانب الادلة الملزمة .. ثم عرفت بان هذا المنهج يتنافى وسماحة الدين، و ان الله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، ولم يجعل في الدين حرجا، كما يتنافى واصل البراءة الذي اعتمده فقهاءنا رضوان الله تعالى عليهم .. ففي مثل هذه الحالة الا يحق لي ان افكر مرتين قبل الاعتماد على اقوالهم، لاني اخالفهم في منهجهم العام، كما لو ان واحدا من فقهاءنا الاصوليين نظر في كتاب فقيه من فقهاءنا الاخيار، بين كيف تراه لايعتمد كلامه لانه يخالفه في بعض المناهج الاساسية في فهم الاحاديث و كيفية التعامل معها.
و كذلك عندما نرى ان طبقة من الفقهاء يعتمدون ظواهر الكتاب اكثر مما يعتمدون اخبار الاحاد، او عكسوا فاعتمدوا الاخبار ولم يعطوا الكتاب حقه، او تبنوا المنطق الاغريقي في فقه الدين، او تساهلوا في سيد الروايات او تطرفوا في الاهتمام به، و هكذا او انهم بسبب ظروف التقية لم يتناولوا بعض ابواب الفقة بلابحث كثيرا، او انهم اعتمدوا في فقه الادلة على القرائن الحالية كثيرا مما خفيت عني او اما اشبه .. ففي مثل هذه الاحوال هل يمكن لي- مع كل ذلك- ان اتبني آراءهم الفقهية التي اشتهرت بينهم او اتفقوا عليها؟ ان كنت اوافقهم في المناهج و الاصول.
ان اختلاف الزمان لا يؤثر فقط في الموضوعات الخارجية للشرع، بل ايضا في قابلية درك نصوص الشريعة بسبب توفر المصادر او عدمها، او بسبب تبلور النظريات اولا ..
فمما لاريب فيه ان كل جيل من الفقهاء اضاف الى منهج الاستفادة من الشريعة اضافة هامة ساهمت في تسهيل عملية الاستنباط. فهل يجوز ان نتغافل عن كل ذلك. و نتبع آراء الاقدمين لمجرد انهم كانوا اقرب الى مصادر الوحي و التشريع بلى كانوا اقرب زمنا. ولكن ربما كانت ظروفهم تمنعهم من الاستفادة من قربهم فمثلا: اصحاب الامامين الصادقين عليهما السلام كانوا اقرب الى مصادر الوحي من المحدثين الكبار مثل: الصدوقين و الكليني و الطوسي، ولكن الظروف التي ساعدت هؤلاء منحتهم فرصة جمع اثار الائمة، والاطلاع على خفاياها اكثر مما منحت كثيرا من اصحاب الائمة الاسبقين، بل قد نجد سؤالا يبدر من الرواة المباشرين حول