التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٢ - موقف القران من السلف الصالح
الاجتهاد في الفقه، و توقفت مسيرة التطور فيه.
و هكذا الثقة الجامحة بالسلف تعرقل حركة الاجتهاد، ولذلك تجد انه عندما يبزغ نجم عالم كبير، او تنتشر نظرية علمية حديثة، فينبهر بهما جيل من الناس، لايلبث ان يصبحا عقبة في طريق تقدم العلم، مثل نظريات ارسطو في المنطق، و بطليموس في الهيئة، و افلاطون في الفلسفة وغيرها، حيث انها وقفت حاجزا امام تقدم البشرية علميا زهاء ١٦ قرنا.
و يذكر في تاريخ فقهاء اهل البيت (ع) ان الشيخ الطوسي الذي اعطي لقب شيخ الطائفة لجلالة قدره، و عظيم مكانته العلمية، انه بهر عقول من لحق به من العلماء فلم يجرء احد منهم على مخالفته لفرط ثقتهم بعلمه، حتى بزغ نجم العلامة ابن ادريس الذي كسرهذا الحاجز بآرائه المخالفة لآراء شيخ الطائفة.
و هناك مثل معروف عندنا في قصة البئر، و كيف ان جل القدماء كانوا يرون انها تتنجس عند وقوع النجاسة فيها، ولاتطهر حتى تسحب منها دلاء معلومة، حسب نوع النجاسة، ولكن المتأخرين ابتداء من العلامة الحلي (ره) خالفوا المتقدمين و قالوا بان البئر ماء عاصم لانها متصلة بالمياه الجوفية فهي كالماء الكثير لاتنجس الامع التغير.
* موقف القران من السلف الصالح:
والقران الكريم علمنا كيف نتعامل مع السلف الصالح فقال سبحانه:
(والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا ربنا انك رؤوف رحيم). [١]
فالاستغفار دليل الحب والعطف والتواصل الحضاري مع السلف، ولكنه ايضا يعكس افتراض وجود اخطاء عندهم تستحق الاستغفار وتستحق التصحيح ايضا.
وهكذا طلب الغفران للوالدين يعكس ذات الحقيقة، فمن جهة ينبغي ان نعطف عليهما ومن جهة ثانية علينا ان نصحح مسيرتهما.
ان نظرة التقديس الى الماضي وتبرير سلبياته وتضخيم ايجابياته قد تكون ناشئة من
[١] - الحشر/ ١٠.